سعيد قدوري
يطرح المشهد السياسي بإقليم الناظور، عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، سؤالا يتجاوز نتائج الصناديق وعدد المقاعد المحصل عليها: هل ما تزال الأحزاب السياسية بالإقليم قادرة على إنتاج نخبة وطنية مؤهلة للانتقال من تدبير الشأن المحلي والتمثيل البرلماني إلى تحمل مسؤوليات حكومية؟ سؤال يكتسي أهمية خاصة في ظل الاستعداد لتشكيل حكومة جديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، بحسب المعطيات المتداولة.
منذ مرحلة مصطفى المنصوري، ابن مدينة العروي، الذي سبق أن تقلد عددا من المسؤوليات الحكومية في حكومات سابقة، لم يبرز من الساحة الحزبية بالناظور، وفق هذا الطرح، اسم آخر تمكن من الوصول إلى مستوى المسؤولية الوزارية. وهو ما يفتح النقاش حول طبيعة النخب التي تنتجها الأحزاب بالإقليم، وحول ما إذا كانت آليات الاشتغال الحزبي الحالية تركز على الاستحقاقات الانتخابية أكثر مما تركز على بناء مسارات سياسية وعلمية ومؤسساتية قادرة على إنتاج كفاءات ذات امتداد وطني.
فالملاحظة التي تفرض نفسها اليوم هي أن جزءا من التنافس الحزبي بالإقليم أصبح يتمحور أساسا حول الظفر بالمقعد البرلماني، باعتباره الغاية السياسية الأبرز، بينما يبدو النقاش حول تكوين نخبة قادرة على تحمل مسؤوليات وطنية كبرى أقل حضورا. والبرلمان، في نهاية المطاف، ليس محطة نهائية للمسار السياسي، بل يمكن أن يكون إحدى حلقاته نحو مسؤوليات أكبر، شريطة توفر التكوين والخبرة والتراكم المؤسساتي والقدرة على صياغة السياسات العمومية.
وتعيد نتائج انتخابات 23 شتنبر المنصرم هذا النقاش إلى الواجهة، بعدما أفرزت أربعة فائزين بمقاعد دائرة الناظور. وبعيدا عن تقييم الأشخاص أو التشكيك في قدراتهم، فإن السؤال المشروع هو: هل استطاعت الأحزاب التي رشحتهم أن تقدم، إلى جانب البحث عن الفوز الانتخابي، مشروعا واضحا لبناء نخبة سياسية وطنية؟ وهل تتوفر داخل التنظيمات الحزبية بالإقليم آليات لاكتشاف الكفاءات وتأطيرها ومنحها فرصة التدرج من العمل المحلي إلى المؤسسات الوطنية؟
الناظور إقليم يتوفر على إمكانات بشرية واقتصادية واجتماعية كبيرة، كما أن موقعه ودور جاليته في الخارج يمنحانه مؤهلات إضافية لصناعة أسماء قادرة على الحضور في المشهد الوطني. غير أن إنتاج وزير أو مسؤول حكومي لا يبدأ ليلة الانتخابات ولا ينتهي بالحصول على مقعد برلماني؛ إنه مسار طويل يبدأ من المدرسة الحزبية والتكوين السياسي، ويمر عبر التجربة الجماعية والبرلمانية والمؤسساتية، وينتهي ببروز شخصيات تمتلك رؤية وكفاءة وخبرة تجعلها قادرة على الدفاع عن قضايا الإقليم داخل دواليب الدولة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الأحزاب السياسية بالناظور اليوم ليس فقط: كم مقعدا سنحصل عليه في الانتخابات؟ وإنما أيضا: كم كفاءة وطنية سننجح في إعدادها خلال السنوات المقبلة؟ فالمنافسة على المقاعد قد تمنح الأحزاب حضورا انتخابيا، لكن إنتاج النخب هو الذي يمنح الإقليم وزنا سياسيا ومؤسساتيا على المستوى الوطني.








