زايو سيتي
لم يبدأ محمد شاشا حياته من بين رفوف الكتب، ولم يكن في شبابه يتخيل أن اسمه سيصبح مرتبطا بمحاولة نقل اللغة الريفية من فضاء الكلام اليومي إلى صفحات الرواية، فقد انطلق من رأس الماء، حيث اشتغل صياداً وعاملاً في الميناء، قبل أن تقوده ظروف اجتماعية وسياسية إلى الهجرة نحو هولندا، ومنها إلى مسار أدبي وثقافي ترك أثراً في الكتابة بالتاريفيت.
وُلد محمد شاشا في 15 غشت 1955 بمنطقة رأس الماء، في المجال المرتبط بكبدانة بالريف الشرقي، وفي سنوات شبابه، اشتغل في الصيد والميناء، قبل أن يفقد عمله على خلفية مشاركته، إلى جانب عدد من الصيادين، في المطالبة بتحسين ظروف العمل، وفق ما تذكره سيرته المنشورة.
ولم يكن فقدان العمل سوى محطة أولى في مسار سيأخذه بعيداً عن المكان الذي ولد فيه، فقد انخرط شاشا في النشاط السياسي المعارض، وتعرض للاعتقال عقب احتجاج طلابي، قبل أن يغادر المغرب سنة 1977، وهو في الثانية والعشرين من عمره، متوجهاً إلى هولندا حيث طلب اللجوء السياسي.
في أمستردام، بدأ فصل جديد من حياته. تنقل بين النشاط السياسي والعمل الثقافي، لكن اللغة الأمازيغية، وبشكل خاص التاريفيت، ستتحول تدريجياً إلى محور أساسي في مشروعه.
كانت التاريفيت حاضرة بقوة في أوساط المهاجرين الريفيين في هولندا، لكنها كانت في الغالب لغة للتواصل الشفهي داخل البيوت والفضاءات الاجتماعية. أما شاشا، فاختار أن يمنحها حضوراً مكتوباً، وأن يجعلها لغة للشعر والقصة والرواية.
وفي تسعينيات القرن الماضي، أسس مؤسسة «إيزوران»، أي «الجذور»، بهدف دعم ونشر الأدب الريفي. ولم يقتصر نشاطه على الكتابة، إذ اشتغل أيضاً في الموسيقى، وعزف وغنى «إزران»، كما شارك في أنشطة مسرحية وإذاعية وتلفزيونية.
عام 1997، أصدر روايته «Reẓ ṭṭabu ad d teffeɣ tfukt»، التي يمكن تقريب معناها إلى «اكسر المحظور كي تشرق الشمس». ويكتسب هذا العمل أهمية خاصة في مساره الأدبي، إذ تصفه دراسة جامعية حديثة بأنه أول رواية منشورة بالتاريفيت.
وبذلك لم يكن شاشا يكتب عن الريف أو عن الهوية الأمازيغية من الخارج، بل كان يحاول أن يجعل لغة الريف نفسها أداة للإبداع الأدبي. وكانت هذه الخطوة ذات دلالة بالنسبة إلى جيل من المتحدثين بالتاريفيت الذين اعتادوا سماع لغتهم في البيت والمحيط الاجتماعي، من دون أن يجدوها بالقدر نفسه في الكتب.
ومع مرور السنوات، واصل شاشا الكتابة والنشر، وظل حاضراً في المشهد الثقافي الأمازيغي، رغم مواقفه السياسية والفكرية التي لم تكن دائماً موضع اتفاق. فقد مر خلال حياته بتجارب وانتماءات سياسية مختلفة، ودخل في خلافات أيديولوجية أدت إلى ابتعاده عن بعض التنظيمات والاتجاهات التي ارتبط بها في مراحل سابقة.
لكن الجانب السياسي، على أهميته في سيرته، لم يحجب مساره الأدبي. فقد ظل مشروعه مرتبطاً باللغة والثقافة الريفية، وترك أعمالاً جعلت من التاريفيت لغة للكتابة الإبداعية، وليس فقط وسيلة للتواصل اليومي.
وفي 2004، واجه شاشا واحدة من أصعب محطات حياته، حين خضع لعملية زرع رئة. ورغم أن وضعه الصحي كان بالغ الصعوبة، فقد واصل حياته وكتابته، واستمر اثني عشر عاماً أخرى.
وخلال سنوات مرضه الأخيرة في أمستردام، لم يتوقف عن العمل الأدبي. كان يشتغل على رواية جديدة اختار لها عنوان «هدم، ابْنِ»، لكنه لم يتمكن من إكمالها.
في 29 يونيو 2016، توفي محمد شاشا في هولندا، تاركاً وراءه مساراً امتد من موانئ رأس الماء إلى فضاءات الهجرة والنشاط السياسي، ثم إلى الأدب والثقافة الأمازيغية.
رحل قبل أن يضع النقطة الأخيرة في روايته الأخيرة، لكن مساره كان قد ترك أثراً يتجاوز الكتاب نفسه: رجل بدأ حياته صياداً، غادر بلده شاباً، وخاض تجربة سياسية وثقافية طويلة، ثم كرّس جانباً مهماً من حياته للكتابة بلغة الريف.
وبين «هدم» و«ابْنِ»، بقيت تجربة محمد شاشا شاهدة على رحلة شخصية تحولت فيها التاريفيت من لغة نشأ عليها صاحبها إلى لغة كتب بها، وكتب من خلالها، وترك لها مكاناً في الرواية.








