زايوسيتي
حين فاز حزب الأصالة والمعاصرة بصدارة الانتخابات التشريعية، وتوجت القيادة الجماعية بفوز فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة، تجدد النقاش في كواليس المشهد السياسي المغربي حول سبب غياب اسم بارز بحجم فوزي لقجع عن قصر مرشان. غير أن قراءة متأنية لطبيعة النفوذ الحقيقي وهندسة القرار في المغرب تُظهر بوضوح أن عدم اختيار لقجع لرئاسة الحكومة ليس إقصاءً، بل هو تكريس لمنطق دقيق يعلو فيه وزن “التدبير السيادي والاستراتيجي” على البروتوكول السياسي البحت.
إن تتبع مسار فوزي لقجع يكشف أن حصر نفوذه في دائرة الوظائف الحكومية التقليدية يعد قراءة ضيقة لموقع الرجل داخل الدولة. فهو لا يقتصر على كونه وزيراً مكلفاً بالميزانية، بل يمسك بملفات عابرة للقطاعات وذات أبعاد سيادية؛ فهو الوجه البارز رياضياً في هياكل الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) والاتحاد الدولي (الفيفا)، فضلاً عن إشرافه على رأس مؤسسة المغرب 2030. هذه المؤسسة الاستراتيجية، التي تأسست بميزانية ضخمة تُقدر بنحو 190 مليار درهم للإشراف على البنى التحتية الكبرى من ملاعب ومطارات وطرق ومشاريع سياحية، تتمتع باستقلالية إدارية ومالية تامة تجعلها بمعزل عن أي وصاية حكومية مباشرة أو قيود برلمانية تقليدية. وإلى جانب ذلك، يمتد نفوذه الترابي ليشرف على توجيه برامج التنمية المجالية بالتنسيق المباشر مع الولاة والعمال، مما يجعله مهندساً فعلياً لأكبر الأوراش التنموية في تاريخ البلاد.
من هنا يتضح الجواب الجذري عن سبب عدم اختياره لرئاسة الحكومة؛ فرئاسة السلطة التنفيذية في النظام الدستوري تتطلب واجهة حزبية وسياسية (مثل فاطمة الزهراء المنصوري) قادرة على خوض غمار التفاوض الحزبي، وتدبير التحالفات البرلمانية، وامتصاص الصدمات السياسية اليومية تحت قبة البرلمان. في المقابل، تقتضي طبيعة المشاريع الكبرى والمصيرية، كتنظيم كأس العالم والميزانيات المليارية، وجود شخصيات تقنوقراطية صارمة، تتحرك بمرونة بعيداً عن صراعات الأحزاب وأجواء الاستقطاب السياسي.
إن عدم تولي فوزي لقجع لرئاسة الحكومة يترجم في الحقيقة رؤية أعمق لتوزيع الأدوار؛ فبينما تتولى المؤسسة الحكومية والسياسية إدارة الشأن اليومي والبرلمان، يتفرغ لقجع لإدارة “إمبراطورية المشاريع الكبرى” وصناديق التنمية المليارية من مواقع قراره الحساسة. وبهذا المعنى، يبدو نفوذ لقجع ومكانته الاستراتيجية أكبر وأوسع بكثير من أي كرسي حكومي تقليدي، مما يجعله ركيزة أساسية في هندسة المغرب المستقبلية خارج حسابات الأحزاب والصراعات الحزبية العابرة.


