زايوسيتي
شكل حضور شيخ الزاوية الكركرية في وليمة احتفالية أقيمت بمناسبة نجاح المرشح المومني محمد في الانتخابات التشريعية باسم حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة الناظور، محط نقاش واسع وتساؤلات مشروعة لدى المهتمين بالشأن العام والمحلي. وهو حدث أعاد إلى الواجهة نقاشاً أزلياً وحساساً حول الحدود الفاصلة بين ما هو ديني روحي وما هو سياسي حزبي.
فمن الناحية الرمزية والمجتمعية، درجت العادات والتقاليد المغربية على أن تظل المؤسسات الروحية والزوايا بمثابة “الملاذ الجامع” لكل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، والعرقية، والجهوية. ومن هذا المنطلق، يُفترض بالمؤسسة الروحية أن تقف على “مسافة واحدة” من جميع الفرقاء السياسيين، حفاظاً على هيبتها الرمزية واستقلاليتها الاعتبارية.
إن حضور شخصية دينية بحجم شيخ الزاوية الكركرية لولائم ذات طابع حزبي صريح، مباشرة عقب إعلان نتائج الاستحقاقات الانتخابية، قد يُقرأ في زوايا الممارسة السياسية على أنه إشارة غير محسوبة، أو ربما يُفسر – عن حق أو عن غير حق – على أنه تزكية معنوية لجهة سياسية على حساب أخرى.
هذا النوع من الحضور، وإن كان يندرج في ظاهره ضمن الأعراف الاجتماعية وتلبية الدعوات، إلا أنه يطرح إشكالية حقيقية حول مدى وعي النخب الدينية والروحية بدقة المرحلة وبحساسية الرسائل الرمزية التي تبعث بها إلى الشارع.
وفي المقابل، قد يحاول البعض التماس الأعذار بالاستناد إلى منطق الروابط الإنسانية، أو الأعراف المحلية التي تُقدّم صلة الرحم والواجب الاجتماعي على الحسابات السياسية البحتة. غير أن هذا التبرير الاصطناعي يظل ضيقاً إذا ما قورن بالمسؤولية الرمزية الجسيمة الملقاة على عاتق الشيوخ والمرشدين؛ فالرمز الروحي لا يملك ترف “الخاص” تماماً حين يكون موضوعاً تحت مجهر الرقابة الشعبية والإعلامية.
إن حماية النسيج المجتمعي واستقلالية الرمز الديني تقتضي اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، النأي بالنفس عن التجاذبات الحزبية والموسم الانتخابي بكل حمولاته. فالزوايا كانت على مر التاريخ إطارا للجامع المشترك، وبقاؤها على مسافة العصمة من الاصطفافات السياسية هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على وقارها ومكانتها الراسخة في وجدان الأمة.













