زايو سيتي
من سيدي بوجداين، بمنطقة ميضار في الريف، بدأت حكاية رشيدة لمرابط قبل أن تنتقل وهي طفلة صغيرة إلى بلجيكا، لم تكن تعرف يومها أن الطريق الذي ستقطعه خلال العقود التالية سيضعها بين قاعات المحاكم ورفوف الكتب، وبين القانون والأدب، وصولاً إلى أن تصبح واحدة من الأصوات المغربية ذات الحضور اللافت في المشهد الثقافي والقانوني البلجيكي.
ولدت لمرابط سنة 1970، وغادرت المغرب رفقة أسرتها وهي في الثانية من عمرها تقريباً، لتنشأ في حي “بورغيرهاوت” بمدينة أنتويرب، هناك كبرت ابنة أسرة ريفية مهاجرة، في بيئة جديدة، لكنها ظلت تحمل معها شيئاً من ذاكرة المكان الأول، ومن الحكايات التي رافقتها في طفولتها.
لم يكن الطريق إلى الجامعة بالنسبة إليها أمراً بديهياً. فقد روت في حوار مع جامعة لوفان أن والديها كانا يتصوران لها، بعد إنهاء دراستها الثانوية، مستقبلاً أقرب إلى الزواج وتكوين الأسرة، بينما كانت هي تنظر إلى مستقبل مختلف تماماً.
كانت تريد الجامعة.
واختارت دراسة القانون.
لم يكن اختيارها للتخصص مجرد قرار أكاديمي، بل رغبة في فهم الطريقة التي تُصنع بها القواعد، وكيف يمكن للقانون أن يرسم الحدود بين الإنصاف والظلم، وبين الحقوق والقيود التي يفرضها المجتمع والدولة.
بين عامي 1992 و1997 درست الحقوق في جامعة أنتويرب، قبل أن تبدأ مساراً مهنياً قادها سنة 2000 إلى مؤسسة «Unia» البلجيكية المعنية بالمساواة ومكافحة التمييز.
هناك أمضت نحو سبعة عشر عاماً من العمل القانوني، وراكمت تجربة طويلة في قضايا ترتبط بالحقوق والمساواة والتمييز.
لكن القانون لم يكن اللغة الوحيدة التي كانت تبحث من خلالها عن فهم الإنسان والمجتمع.
خارج ساعات العمل، كانت لمرابط تكتب.
وفي ذاكرتها ظلت حاضرة ليالي الصيف التي عاشتها في المغرب، حين كانت العائلة تجتمع من دون تلفزيون أو إذاعة، وتتحول السهرات إلى مساحة للحكايات التي يرويها الكبار. تلك الذاكرة ستجد طريقها لاحقاً إلى عالمها الأدبي، حيث أصبحت الحكاية وسيلة أخرى لطرح الأسئلة التي لم يكن القانون وحده كافياً للإجابة عنها.
في سنة 2007، وهي في السابعة والثلاثين من عمرها، أصدرت روايتها الأولى «Vrouwland».
جاءت الكتابة متأخرة نسبياً، لكنها لم تأتِ بلا أثر. فقد فازت الرواية بجائزة مخصصة للعمل الروائي الأول في فلاندر، لتفتح أمام صاحبتها باباً جديداً لم تكن قد دخلته من قبل.
كانت لمرابط قد وصلت إلى الأدب بعد سنوات من الاعتقاد بأن حلم الكتابة ربما يكون بعيداً عنها. وقالت لاحقاً إنها لم تكن ترى في الوسط الأدبي الفلمنكي نماذج كثيرة تشبهها، وهو ما جعل فكرة أن تصبح كاتبة تبدو في مرحلة من حياتها أقرب إلى الحلم منها إلى مشروع واقعي.
لكن النجاح الأول غيّر المعادلة.
توالت الأعمال، من الرواية إلى المسرح والمقال والفيلم، وحصلت كتاباتها على تقدير أدبي في هولندا وبلجيكا.
وبينما كان القانون يمنحها أدوات فهم المؤسسات والقواعد، كان الأدب يمنحها مساحة أخرى: مساحة الشخصيات والأسئلة والتجارب الإنسانية التي لا تظهر دائماً في لغة الملفات القانونية.
ثم جاءت سنة 2017، التي ستشكل إحدى أكثر المحطات إثارة في مسارها.
في ذلك العام أنجزت «Project Deburkanisation»، وهو عمل فني قصير تناول موضوع الخصوصية وحرية الفرد. لكن النقاش الذي أعقب عرض الفيلم سرعان ما تجاوز حدود العمل الفني، بعدما أدلت لمرابط بتصريحات حول الفيلم والقانون البلجيكي المتعلق بمنع تغطية الوجه.
تحول النقاش إلى قضية إعلامية وسياسية، وانتهت علاقتها بمؤسسة «Unia» التي كانت تعمل فيها منذ سنوات.
كانت لحظة فاصلة.
فجأة، وجدت الكاتبة والقانونية نفسها في قلب نقاش حول الحدود الفاصلة بين الموقف الشخصي، والعمل الفني، والمسؤولية المهنية.
لكن اختزال مسار رشيدة لمرابط في تلك الحادثة وحدها سيكون ظلماً لقصة بدأت قبلها بسنوات واستمرت بعدها.
فهي لم تغادر الكتابة، ولم تتخل عن القانون.
في السنة نفسها أصدرت مقالها الطويل «Zwijg, allochtoon!» الذي عادت فيه إلى أسئلة الصوت والهوية وتجربتها الشخصية في مواجهة الجدل.
وبعد ذلك بعام، عادت إلى الرواية من خلال «Vertel het iemand»، وهي رواية اشتغلت فيها على التاريخ الاستعماري ومصير الجنود المغاربة خلال الحرب العالمية الأولى.
كان الماضي المغربي حاضراً هذه المرة داخل رواية كتبت في بلجيكا، وكأن المسافة بين المكان الذي ولدت فيه والمكان الذي نشأت فيه لم تكن كافية لقطع الخيط بينهما.
واصلت لمرابط مسارها الثقافي، وحصلت على جائزة جامعة لوفان الثقافية لدورة 2019-2020، قبل أن تتوسع تجربتها لتشمل الرواية والمسرح والسينما والعمل القانوني.
وفي السنوات الأخيرة، عاد القانون إلى الواجهة في مسيرتها من بوابة أكاديمية.
فهي تظهر ضمن فريق مركز حقوق الإنسان بجامعة غنت، حيث تساهم في العيادة القانونية المتخصصة في قانون التمييز، وتشرف على طلبة يتعاملون مع ملفات قانونية حقيقية.
وهنا تبدو المفارقة الأجمل في قصتها.
المرأة التي بدأت طريقها بدراسة القانون بحثاً عن فهم القواعد والعدالة، ثم دخلت عالم الأدب بحثاً عن مساحة أخرى للتعبير، وانتهى بها الأمر إلى مغادرة مؤسسة لمكافحة التمييز وسط جدل واسع، لم تبتعد في النهاية عن القانون.
بل عادت إليه من بوابة الجامعة.
وبين البداية والنهاية المؤقتة لهذه الرحلة، تبدو سيرة رشيدة لمرابط أقرب إلى مسار امرأة ظلت تعيد تعريف نفسها باستمرار: طفلة ريفية مهاجرة، طالبة أصرت على دخول الجامعة، قانونية أمضت سنوات في مجال مكافحة التمييز، ثم كاتبة وجدت لنفسها مكاناً في الأدب الفلمنكي، قبل أن تلتقي مجدداً بالقانون من داخل الجامعة.
وربما تختصر صورتها اليوم هذه الرحلة كلها: امرأة جاءت من أسرة مهاجرة من الريف، وحملت معها أسئلة الهوية والعدالة والحرية، ثم اختارت أن تجعل من القانون والأدب أداتين مختلفتين لطرح السؤال نفسه.
كيف يمكن للإنسان أن يجد صوته داخل القواعد التي يصنعها المجتمع؟
وكيف يمكن للحكاية أن تقول أحياناً ما تعجز لغة القانون عن قوله؟







