زايوسيتي
في ظرف زمني قصير، أعادت جـ..ـريمتان هـ..ـزتا الرأي العام إلى الواجهة سؤالا مقلقا حول حجم الخطر الذي باتت تشكله المـ..ـخدرات على الأمن والمجتمع، ليس فقط في الشارع، وإنما حتى داخل الأسر.
ففي السابع من شتنبر الجاري، شهدت مدينة إمزورن بإقليم الحسيمة عملية أمنية انتهت بمـ..ـقتل رجل أمن وإصابة عناصر أخرى، أثناء محاولة توقيف شخص كان موضوع عدة برقيات بحث وطنية للاشتباه في تورطه في الاتجار في المـ..ـخدرات الصلبة وتكوين عصابة إجرامية وتنظيم الهجرة غير الشرعية ومحاولة القـ.ـتل باستعمال سـ.ـلاح نـ..ـاري.
وبعد أيام، عادت جهة الشرق إلى الواجهة من خلال فاجعة أحفير، حيث انتهت واقعة أسرية مأساوية إلى وفـ..ـاة أب متأثرا بإصابات خطيرة، فيما جرى توقيف ابنه المشتبه في تورطه في الجريمة، قبل تقديمه أمام النيابة العامة بوجدة.
وبين الواقعتين، وإن اختلفت ظروفهما وتفاصيلهما القانونية، تبرز قضية واحدة لا يمكن تجاهلها: المخـ..ـدرات لم تعد مجرد ظاهرة مرتبطة بالانحراف الفردي، بل أصبحت خطرا يطال الأمن والأسر والشباب والمجتمع بأكمله.
حادثة إمزورن تطرح سؤالا بالغ الخطورة: ماذا يعني أن يتحول تدخل أمني لتوقيف مشتبه فيه في قضايا مخـ..ـدرات وجـ..ـرائم خـ..ـطيرة إلى مواجهة تنتهي بمقتل عنصر من عناصر الشرطة؟
المعطيات الرسمية التي أعلنتها النيابة العامة بالحسيمة تشير إلى أن المشتبه فيه كان مطلوبا في عدة قضايا، وأن العملية كانت في إطار محاولة توقيفه.
وهنا تبرز ضرورة التفكير في واقع محاربة شبكات المـ..ـخدرات، وفي مدى المخاطر التي يواجهها رجال الأمن والدرك أثناء تنفيذ مهامهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص يشتبه في ارتباطهم بالجريمة المنظمة ويحاولون مقاومة التدخلات الأمنية.
الحديث المتزايد عن المخـ..ـدرات في عدد من مناطق الجهة الشرقية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد أخبار متفرقة تظهر بعد كل جريمة.
فكلما ارتبطت جريمة خطيرة بالمـ..ـخدرات، سواء تعلق الأمر بالعنف في الشارع أو الاعتداءات أو الجـ..ـرائم داخل الأسر، يصبح من الضروري طرح السؤال حول فعالية المقاربة المعتمدة في مواجهة هذه الظاهرة، وحول قدرة الأجهزة المختصة على تفكيك شبكات الترويج والتوزيع من منابعها، وليس فقط التعامل مع نتائجها بعد وقوع الكارثة.
والأخطر أن انتشار المـ..ـخدرات لا يهدد الضحايا المباشرين فقط، بل يخلق بيئة تساعد على ارتفاع منسوب العـ..ـنف والانحراف وتفكك الأسر، ويجعل بعض الأحياء والمناطق تعيش تحت تأثير تجارة غير مشروعة تستقطب فئات من الشباب.
ومن المهم هنا التمييز بين أمرين: احترام حقوق المشتبه فيهم والمتهمين، وهو مبدأ قانوني لا يمكن تجاوزه، وبين السماح للجـ..ـريمة بأن تتمدد دون مواجهة فعالة.
فالمطلوب ليس المساس بحقوق أي شخص أمام القانون، وإنما ضمان أن تكون مواجهة تجارة المخـ..ـدرات حازمة وفعالة، وأن تصل الأبحاث إلى الرؤوس والشبكات والممولين والموزعين، لا أن تقتصر على بعض الحلقات الهامشية من السلسلة.
وفي المقابل، يحتاج رجال الأمن والدرك إلى الحماية القانونية والمؤسساتية اللازمة أثناء قيامهم بمهامهم، خصوصا في مواجهة أشخاص يشكلون خطرا مسلحا أو يشتبه في تورطهم في جـ..ـرائم خطيرة.
مقتل شرطي أثناء تدخل أمني في إمزورن، ثم وقوع فاجعة أحفير بعد أيام، يجب ألا ينظر إليهما باعتبارهما حادثتين منفصلتين فقط. إنهما، على الأقل، مناسبتان لفتح نقاش عمومي جدي حول المـ..ـخدرات، ومسارات وصولها إلى الشباب، وشبكات توزيعها، ومدى فعالية آليات الوقاية والزجر والعلاج، إضافة إلى حماية الأسر والمجتمع من آثارها.
فالأسرة التي تفقد أحد أبنائها بسبب الإدمان، أو أب يفقد حياته في جريمة مرتبطة بالمخدرات، أو رجل أمن يسقط أثناء مواجهة مشتبه فيه في قضايا الاتجار بالمـ..ـخدرات، كلها حلقات في مشكلة واحدة تحتاج إلى مقاربة شاملة.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصا في الجهة الشرقية، ليس فقط: من ارتكب الجـ..ـريمة؟ بل أيضا: كيف نمنع وصول المجتمع إلى لحظة وقوع الجريمة أصلا؟
إن مواجهة المخدرات لا يمكن أن تكون مسؤولية الأمن وحده، بل تحتاج إلى عمل متكامل يشمل الأسرة والمدرسة والصحة والقضاء والمجتمع المدني، إلى جانب تشديد الخناق على شبكات الاتجار والترويج، مع احترام كامل للقانون وضمانات المحاكمة العادلة.








