مصطفى انهاري / هولاندا
تُعدّ الانتخابات في المجتمعات الديمقراطية إحدى أهم الوسائل التي يمارس من خلالها المواطن حقه في المشاركة في تدبير الشأن العام، واختيار من يمثله، والمساهمة في تحديد مستقبل بلده ومدينته ومجتمعه. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: هل تكفي المشاركة في الانتخابات حتى نكون مواطنين فاعلين؟ أم أن دور المواطن أصبح في كثير من الأحيان محصورًا في الإدلاء بصوته ثم الانسحاب من المشهد؟
في الواقع، يُدعى المواطن إلى المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، ويُطلب منه أن يختار ممثليه، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني. وتُقدَّم الانتخابات باعتبارها لحظة أساسية لتجسيد إرادة الشعب. لكن الإشكال يبدأ عندما يشعر المواطن بأن صوته، بعد انتهاء العملية الانتخابية، لم يعد له نفس الوزن والتأثير، وأن القرارات تُتخذ بعيدًا عن انتظاراته وتطلعاته.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة تتمثل في فقدان الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. فحين يلاحظ المواطن أن الوعود الانتخابية لا تتحول دائمًا إلى برامج وأفعال، وأن بعض المنتخبين يبتعدون عن المواطنين بعد الوصول إلى مواقع المسؤولية، يبدأ الإحساس بالإحباط، وقد يتحول هذا الإحباط إلى العزوف عن المشاركة السياسية والانتخابية.
لكن المسؤولية لا تقع على المنتخبين وحدهم. فالمواطن أيضًا مطالب بأن يتجاوز مفهوم المشاركة الموسمية، أي أن يكون حاضرًا فقط يوم الاقتراع. المواطنة الحقيقية لا تنتهي بوضع ورقة في صندوق الانتخابات، وإنما تبدأ بعدها. فهي تعني متابعة أداء المنتخبين، مساءلتهم، اقتراح الحلول، المشاركة في النقاش العمومي، والدفاع عن المصلحة العامة.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بدورها بإعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين، من خلال تقديم برامج واقعية، واختيار الكفاءات، والاستماع إلى نبض المجتمع، والابتعاد عن الخطابات التي تظهر فقط في مواسم الانتخابات. فالسياسة ليست مجرد حملة انتخابية، وليست وسيلة للوصول إلى المناصب، وإنما هي قبل كل شيء خدمة عمومية ومسؤولية وأمانة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يتحول المواطن من شريك في صناعة القرار إلى مجرد رقم انتخابي. لذلك، فإن بناء الديمقراطية الحقيقية يتطلب مواطنًا واعيًا بحقوقه وواجباته، ومؤسسات منتخبة تشعر بأنها مسؤولة أمامه، وأحزابًا تؤمن بأن ثقة المواطن لا تُكتسب بالشعارات، وإنما بالمصداقية والعمل والنتائج.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
هل نريد مواطنًا يُستدعى فقط يوم الانتخابات، أم مواطنًا حاضرًا ومشاركًا ومساهمًا في صناعة القرار طوال الوقت؟
إن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد صناديق الاقتراع، وإنما بمدى قدرة المواطن على أن يشعر بأن صوته له قيمة، ورأيه مسموع، ومشاركته مؤثرة في صناعة مستقبل مجتمعه.








