زايو سيتي
تعيش دائرة الناظور، هذه الأيام، على إيقاع الحملة الانتخابية السابقة للاقتراع التشريعي المقرر يوم 23 شتنبر، في أجواء يطغى عليها التنافس بين المرشحين، وتتنوع فيها أساليب استمالة الناخبين والترويج للبرامج والأسماء.
لكن خلف مشاهد الحملة الانتخابية، تبرز ظواهر تستحق النقاش، ليس فقط من زاوية المنافسة الحزبية، وإنما من زاوية مستقبل الحياة السياسية وقدرة المؤسسات المنتخبة على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
ومن بين أكثر الظواهر إثارة للانتباه، بروز مرشحين يبدو أن حضورهم الانتخابي يستند بدرجة كبيرة إلى الإمكانيات المالية، من خلال مواكب تضم شاحنات ضخمة وأعدادا كبيرة من السيارات، بعضها من السيارات الفارهة، تجوب شوارع المدن والجماعات بالإقليم.
وقد تتحول هذه المظاهر، في نظر المتابعين، من مجرد وسائل للدعاية الانتخابية إلى نوع من الاستعراض المالي، خصوصا عندما يصبح حجم الأسطول والإنفاق على الحملة أكثر حضورا من النقاش حول الكفاءة والتجربة والبرنامج والقدرة على الترافع داخل المؤسسة التشريعية.
المسألة هنا لا تتعلق بمقدار ما يملكه المرشح من أموال، ولا بحق أي شخص في خوض الانتخابات، وإنما بالسؤال الجوهري: هل ينبغي أن تكون الإمكانيات المالية معيارا أساسيا لصناعة الحضور السياسي، أم أن الكفاءة والقدرة على تمثيل المواطنين يجب أن تكونا في صلب الاختيار؟
والأكثر إيلاما أن النقاش لا يتوقف عند بعض المرشحين الذين يفتقرون، وفق ما يراه منتقدوهم، إلى الحد الأدنى من المؤهلات التي تمكنهم من الإحاطة بالملفات المعقدة التي تنتظر ممثل الإقليم داخل البرلمان، بل يمتد إلى مشهد آخر أكثر غرابة، يتمثل في اصطفاف كفاءات وأطر وأصحاب تخصصات مختلفة خلف بعض الأسماء، والدفاع عنها في التجمعات واللقاءات الانتخابية.
فقد يجد المواطن أمامه شخصا حاصلا على تكوين أكاديمي أو مهنيا راكم تجربة طويلة، يصعد إلى المنصة أو يجوب الأحياء للدفاع عن مرشح لا يظهر، في نظره، بالقدر نفسه من الاستعداد العلمي والسياسي لمناقشة الملفات التي تهم الإقليم.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن أن تتحول الكفاءة إلى أداة لتسويق غياب الكفاءة؟
الأمر لا يتوقف عند ذلك، إذ يلاحظ أيضا أن بعض أصحاب الكفاءات قد يختارون الاصطفاف خلف أحزاب أو لوائح تحظى بدعم قوي من أصحاب الرساميل، باعتبار أن المال أصبح، في بعض الحالات، عاملا مؤثرا في صناعة الحملة الانتخابية وفي ضمان الحضور الميداني والإعلامي.
وإذا استمر هذا المنطق، فإن الخطر لا يكمن فقط في نتائج انتخابية محددة، وإنما في تكريس ثقافة سياسية تجعل المال والقدرة على الإنفاق والظهور في الشارع عوامل أكثر تأثيرا من المعرفة والكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع.
فالبرلمان ليس فضاء للاستعراض، وإنما مؤسسة تحتاج إلى ممثلين قادرين على فهم التشريع، ومناقشة القوانين، وتتبع السياسات العمومية، والدفاع عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية للإقليم، والتواصل مع مختلف المؤسسات الحكومية.
ودائرة الناظور، بما تواجهه من تحديات مرتبطة بالتنمية، والتشغيل، والاستثمار، والفلاحة، والماء، والبنيات التحتية، والصحة، والتعليم، والهجرة، وميناء الناظور غرب المتوسط، وغيرها من الملفات، تحتاج إلى نقاش سياسي يرتفع إلى مستوى هذه القضايا.
أما تحويل الانتخابات إلى منافسة في حجم المواكب، وعدد السيارات، وقيمة الإنفاق، وقدرة المرشح على حشد أكبر عدد من الأشخاص، فإنه يهدد بتحويل السياسة من مجال للكفاءة والتدافع حول الأفكار إلى مجال لقياس النفوذ والإمكانات المالية.
والأخطر أن تتحول الكفاءات نفسها إلى مجرد ديكور انتخابي، تستعمل أسماؤها وشهاداتها وخبراتها لمنح شرعية لمرشحين لا يمتلكون، في المقابل، المؤهلات نفسها.
إن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني التشكيك في جميع المرشحين، ولا اختزال المشهد الانتخابي في المال أو الكفاءة فقط، وإنما هو دعوة إلى فتح نقاش جدي حول المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار من سيمثل المواطنين.
فالناخب في نهاية المطاف لا يصوت لقافلة من السيارات، ولا لشاحنة ضخمة، ولا لحجم الإنفاق على الملصقات واللافتات؛ وإنما يصوت لشخص سيحمل اسمه وصوته إلى مؤسسة تشريعية يفترض أن يكون قادرا على العمل داخلها.
ومن هنا، يبقى السؤال مفتوحا أمام الناخبين: هل نريد ممثلين يملكون المال لصناعة حملة انتخابية ضخمة، أم ممثلين يملكون من المعرفة والكفاءة والقدرة على الترافع ما يكفي لتحويل أصوات المواطنين إلى حضور سياسي فعلي؟
إن مستقبل الحياة السياسية يبدأ، قبل صناديق الاقتراع، من الطريقة التي ننظر بها إلى المرشح نفسه: هل نختاره لما يملكه، أم لما يستطيع أن يقدمه؟.







