زايوسيتي
حين تتأمل طيات الزمن الجميل وتستنطق أبيض وأسود الذاكرة، تطفو على السطح وجوه كحتها شمس الضمير الحي وأرواح طاهرة صاغت معنى الوطنية الصادقة بأفعال لا بأقوال. وفي ركن من أركان التاريخ المحلي لمدينة زايو، تبرز حكاية رجلين من زمن النقاء الأبدي؛ المرحوم العسري وزميله عياد، اللذين جعلا من تنظيف شوارع وأزقة القرية الوليدة بعد الاستقلال رسالة شرف مقدسة، مطبوعة بعرق الجباه وطيب الخصال.

لم تكن عربة البناء البسيطة التي يجرها فرسهم الملقب بـ”نبيل” مجرد وسيلة لجمع النفايات، بل كانت سِفْراً متحركاً للكرامة والالتزام المطلق. فقد أوتي العسري، رحمه الله، من شيم الرجال ما جعل ذكراه حية في وجدان من عاصروه، بدءاً من تفانيه المنقطع النظير في خدمة تربة زايو وأهلها، وصولاً إلى طقوسه الفريدة وعفويته المعهودة التي طالما أسرت قلوب الجيران والأطفال الذين غنّوا لخطاه ورافقوا طيفه في شوارع مولاي إسماعيل وحي سيدي عثمان.
واليوم، حين تتقاطع صور الأمس بأسئلة الحاضر، تتداعى المقارنات لتؤكد الفارق الشاسع بين جيل أفرزته القيم العميقة والتضحية بصمت، وبين واقع تتنازعه إكراهات التدبير. إن أمثال العسري وعياد لم يكونوا مجرد عمال نظافة، بل كانوا أمناء على طهارة المكان ونقاء السريرة، وتستحق أسماؤهم أن تُحفر بماء الذهب في ذاكرة المدينة الجماعية، وفاءً لدموع الرحمة التي تسيل كلما تذكر جيل الوفاء أولئك الأبطال الصامتين الذين ما بدّلوا تبديلاً.









أتذكرهم جيدا
الله يرحمهم ويغفر لهم ويسكنهم الفردوس الاعلى
رحمهما الله واسكنهما فسيح جنانه.