زايوسبتي
تُصنف مدينة زايو ضمن الحواضر المغربية الحديثة التي تشكلت هويتها العمرانية والاجتماعية في مطلع القرن العشرين، متأثرةً بشكل مباشر بديناميكيات فترة الحماية الإسبانية على شمال المغرب. وقبل أن تتحول إلى تجمع حضري نابض بالحياة، كانت المنطقة عبارة عن مجال جغرافي مفتوح ومجال رعي وترحال لقبائل المنطقة، وفي مقدمتها قبائل كبدانة وأولاد ستوت. وتفيد وثائق الأرشيف العسكري الإسباني وتقارير “الفرق الاستعمارية” المحفوظة في دوائر الأرشيف التاريخي، أن السيطرة على المجال الجغرافي لزايو لم تكن نزهة عسكرية، بل مرت عبر مراحل دمويّة وتخطيط استراتيجي دقيق محفوف بالمقاومة الشرسة لقبائل المنطقة؛ حيث تشير إحدى الوثائق البارزة المؤرخة في مايو 1911 إلى أن طلائع الغزو الإسباني وصلت إلى تخوم زايو تحت قيادة الجنرال لاريا، حيث أصدر أوامره باحتلال نقطة زايو الاستراتيجية وإقامة أول مركز للشرطة العسكرية ومراكز المراقبة المتقدمة لتأمين خطوط الإمداد بين مليلية والمناطق المتاخمة لوادي ملوية.
وتشهد أرشيفات الصحافة الإسبانية التاريخية، ولا سيما ما وثقته مجلات مثل “حملة الريف” (Campaña del Rif) وجريدة “ABC”، أن التوغل الميداني الأبرز والفعلي لاحتلال زايو جرى سنة 1921. وتُظهر الصور والأرشيفات البصرية لتلك الحقبة وصول القوات والجنود الإسبan عبر شاحنات عسكرية تحمل راية المحتل مخترقة “عقبة مولاي رشيد” (الواقعة حالياً على الطريق الوطنية رقم 02) باعتبارها المدخل الرئيسي لاقتحام هذه الأرض. كما يوثق الأرشيف تفاصيل العمليات العسكرية الكبرى، من ضمنهم الكولونيل ريكلمي الذي ظهر متوسداً شيوخ وأعيان قبائل أولاد ستوت وكبدانة الذين استسلموا مرغمين وسلموا أسلحتهم، إلى جانب لقطات توثق إيقاف السكان واقتحام ومداهمة المنازل التقليدية بالقوة تحت غطاء المدفعية الثقيلة التي استهدفت تجمعات الأهالي والمقاومين. وخلال فترة التوغل الأكبر لإحكام السيطرة على حوض ملوية والريف الشرقي تحت إمرة الجنرال الإسباني مانويل فيرنانديز سيلفستر، كانت زايو تُعتبر قاعدة خلفية وممرا إجباريا لحملات التهدئة العسكرية الموجهة لإخضاع القبائل المجاورة التي رفضت الخضوع لشروط الحماية.
وتزخر أرشيفات وزارة الدفاع الإسبانية والأرشيف المركزي بوثائق غنية تفصل دقيقة بدقيقة تأسيس وتطور المركز الاستعماري الذي شكل النواة الأولى للمدينة، بدءاً من التقارير العسكرية وتقارير المراقبة التي أعدتها الفرق الاستخباراتية الأصلية وضباط الشؤون الأهلية، مروراً بتأسيس القيادة القديمة سنة 1923 كأول معلم إداري وعسكري للتحكم ومراقبة الأنشطة القبلية وفرض السيطرة، ووصولاً إلى بناء الجسر التاريخي سنة 1929 لتأمين الربط طيلة فصول السنة في مواجهة الفيضانات الموسمية، وصولاً إلى التصاميم الهندسية الأولى التي وضعت على شكل شبكة متعامدة حول المحور الطرقي الرئيسي لتسهيل التدخل الأمني السريع وضمان تحريك الآليات العسكرية.
ولم يقتصر العمران الاستعماري على الثكنات والمراكز الإدارية فحسب، بل شيّد المستعمر الإسباني معالم بنيوية وحضرية بارزة بصمت الذاكرة المكانية للمدينة، من أبرزها الكنيسة المحلية التي أقيمت لتلبية الحاجيات الدينية للجنود والمعمرين الإسبانيين والعائلات الوافدة، فضلاً عن إحداث الحديقة العمومية التاريخية التي شكلت متنفساً حضرياً وسط التمركز الاستعماري، ناهيك عن رصد الذاكرة المحلية والتقارير الإسبانية لوجود ساحات ومحطات مخصصة لتنظيم العروض العسكرية واستعراض القوة (المسايفة) بالقرب من معالم بارزة مثل ضريح سيدي عثمان الذي كان معلماً روحياً ومجالاً للتجمعات التاريخية بالمنطقة.
وقد قاوم أهالي زايو والقبائل المحيطة بها الوجود الإسباني بضراسة بالوسائل المتاحة، وتكبد المحتل خسائر جسيمة رغم تفوقه العسكري، لا سيما مع اندلاع ثورة التحرير الريفية بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي التي حولت المنطقة إلى مسرح لعمليات إزعاج واسعة للقوات الإسبانية ومهاجمة خطوط إمدادها والمراكز المتقدمة بعد الهزيمة المدوية للإسبان في معركة أنوال سنة 1921. كما يذكر الأرشيف الإسباني أسماء بعض زعماء القبائل والأعيان المحليين الذين قادوا حركة العصيان ورفض دفع الضرائب المفروضة من طرف مكاتب الشؤون الأهلية، في وقت استخدم فيه الإسبان سياسة الترغيب والتخويف عبر استمالة بعض الشيوخ تارة وتنظيم الحملات التأديبية وحرق المحاصيل تارة أخرى للضغط على الحاضنة الشعبية للمقاومة.
وسجلت الوثائق الإسبانية بدقة التحولات الديموغرافية الكبرى والظروف المعيشية القاسية التي عرفتها زايو خلال فترة الحماية، بما في ذلك إنشاء شبكة من المخبرين والجنود المحليين لرصد أي تحرك، واستغلال الأراضي الفلاحية الخصبة في سهل صبرا لتموين الثكنات العسكرية في مليلية ومدن الشمال، فضلاً عن تقارير ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي القاتمة حول سنوات القحط والمجاعة المعروفة بعام البون وتداعيات الحرب العالمية الثانية، إلى جانب توظيف الطب الاستعماري والخدمات الإنسانية الضيقة كأداة لاختراق المجتمع المحلي عبر إقامة مرافق صحية بسيطة موجهة لخدمة الجنود وعائلاتهم ومن دار في فلك الإدارة.
وتحتفظ الذاكرة التاريخية والمحلية بعدة روايات ورؤى متباينة حول مصدر التسمية التي أُطلقت على المدينة، أبرزها رواية جبل “ثايوث” بالأصل الأمازيغي نسبة إلى الضباب أو السحاب الكثيف الذي يلف قمة الجبل بانتظام ليتحول اللفظ تدريجياً في التقارير الإسبانية إلى صيغة Zaio، ورواية ارتباط الاسم بشخصية بارزة أو ولي صالح أو لقب لأحد وجهاء القبائل الأوائل، إضافة إلى فرضية التحريف الإداري لأصل اسم عائلة أو فخذ قبلي استوطن ضفاف وادي ملوية قديماً لتسهيل النطق الإداري والضبط الميداني في الخرائط العسكرية.
ومع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، ورثت الدولة المغربية النواة العمرانية لزايو، لتشهد المدينة مراحل انتقالية متسارعة تحولت خلالها تدريجياً من مركز إداري استعماري إلى بلدية تأطيرية تلعب دوراً محورياً في تنشيط المبادلات التجارية الفلاحية بفضل موقعها الاستراتيجي على تخوم سهل صبرا وملوية، متأثرة بطفرات سكانية كبرى بفعل الهجرة القروية وتنامي دور أبناء المنطقة في الهجرة الخارجية، وهو ما أفرز طفرة عمرانية جعلت من النواة الاستعمارية القديمة مدينة نابضة بالحياة تجمع بين عبق التاريخ وديناميكية المجتمع المحلي المعاصر.

































