زايوسيتي
أعادت الوثائق الاستخباراتية التي رفعت عنها الحكومة الإسبانية صفة السرية مؤخراً تسليط الضوء على الكواليس الأمنية والسياسية التي سبقت موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة، كاشفة عن تفاصيل دقيقة حول حجم المعطيات التي كانت تتوفر عليها مدريد والرباط قبيل الأحداث التي شهدتها المدينة نهاية شهر يوليوز.
وتُظهر المراسلات الرسمية التي نشرتها صحيفة “إل باييس”، والتي بلغت نحو أربعين وثيقة ومراسلة غطت كامل شهر يوليوز، أن الأجهزة الأمنية في البلدين لم تكن تعيش في قطيعة تامة مع تطورات الموقف، بل تلقت تحذيرات مسبقة مصدرها الأساسي الفضاء الرقمي، حيث نشطت مجموعات افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي مثل “واتساب” و”فيسبوك” لتعبئة وحشد الراغبين في الهجرة مستغلة انشغال السلطات باحتفالات عيد العرش.
وفي هذا السياق، برزت مذكرات المركز الوطني للاستخبارات الإسباني “CNI”، لاسيما تلك الموجهة يوم التاسع والعشرين من يوليوز إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات بالمغرب، كدليل على وجود قنوات تنسيق وتبادل للمعلومات الاستباقية بشأن الدعوات المتداولة عبر المجموعات الرقمية التي ضمت مئات الآلاف من الأعضاء. غير أن المفارقة الأساسية التي تكشفها هذه الوثائق تكمن في الهوة الواسعة بين التقارير الاستخباراتية ورصد الاحتمالات القائمة وبين الحجم الفعلي والمهول للموجة البشرية التي تقاطرت على الحدود، والتي فاقت كل التوقعات والتكهنات الأمنية الرسمية للطرفين، لتتحول دعوات افتراضية محدودة على تطبيق للتراص الفوري إلى ضغط بشري غير مسبوق بالآلاف.
ورغم ما أوردته التقارير اللاحقة من تقييمات وتحليلات إسبانية تحاول مقاربة دور القوات المغربية ميدانياً أثناء التدفق، فإن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ظل حاسماً في نفي وجود أي أدلة مادية تثبت تورط الحكومة المغربية في تدبير أو توجيه هذه العمليات، وهو ما تؤكده الوثائق نفسها عبر عجز الاستخبارات الإسبانية عن استشراف الحجم الحقيقي للحدث قبل وقوعه. وبين تحذيرات الحرس المدني المتكررة من تصاعد الضغط على الحدود، والتعقيدات القانونية المرتبطة بقرارات المحاكم بشأن تدبير المهاجرين، يظل الكشف عن هذه الملفات السرية بمثابة مرآة تعكس هشاشة التقديرات الأمنية التقليدية في مواجهة ديناميكيات الهجرة الرقمية الموجهة عبر شبكات الإنترنت، وتؤكد في الوقت ذاته أن إدارة الحدود تظل إحدى أعقد الملفات التي تتطلب تعاوناً وثيقاً ومستمراً يتجاوز حدود رصد التقارير الآنية إلى فهم التحولات العميقة في ظاهرة الهجرة السرية.








