بقلم / عصام لحسيني: باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
مدخل: حين يصبح الصمت لغةً سياسية
في كل محطة انتخابية تتجه الأنظار إلى نسب المشاركة، وتُقرأ النتائج بوصفها المعيار الأول لقياس حيوية الديمقراطية. غير أن ما يلفت الانتباه، في كثير من الأحيان، ليس عدد الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع، وإنما عدد الذين قرروا البقاء خارجها. وهنا يبرز سؤال يتجاوز الحسابات الانتخابية إلى جوهر العلاقة بين المواطن والسياسة: هل يعبر العزوف الانتخابي عن لا مبالاة بالشأن العام، أم أنه يمثل شكلًا من أشكال الاحتجاج الصامت؟
لقد أصبح العزوف الانتخابي إحدى أكثر الظواهر حضورًا في الديمقراطيات المعاصرة، سواء في الدول ذات التجارب الديمقراطية الراسخة أو في الدول التي ما تزال تسعى إلى ترسيخ مؤسساتها التمثيلية. ولم يعد ينظر إليه باعتباره مجرد امتناع عن التصويت، بل باعتباره مؤشرًا سياسيًا يعكس مستوى الثقة في المؤسسات، وفعالية الأحزاب، وجودة التمثيل، ومدى اقتناع المواطن بقدرة الانتخابات على إحداث التغيير.
فالديمقراطية لا تُختبر فقط يوم يقف المواطن أمام صندوق الاقتراع، بل تُختبر أيضًا عندما يقرر ألا يقف أمامه. وفي هذه اللحظة يصبح الغياب موقفًا يستحق الفهم، لأن الصمت في السياسة قد يكون أحيانًا أكثر بلاغة من الكلام.
أولًا: العزوف الانتخابي… بين المفهوم وسوء الفهم
يُستعمل مفهوم العزوف الانتخابي بكثرة في الخطاب الإعلامي والسياسي، لكنه كثيرًا ما يُستخدم بصورة فضفاضة تختزل جميع الممتنعين عن التصويت في فئة واحدة. والحال أن علم السياسة يميز بين حالات متعددة لا يجوز الخلط بينها، لأن دوافع الامتناع ليست واحدة، كما أن آثارها ليست متشابهة.
فالعزوف قد يكون تعبيرًا عن اللامبالاة بالشأن العام، وقد يكون نتيجة فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات، وقد يكون موقفًا احتجاجيًا واعيًا يرى صاحبه أن الامتناع عن التصويت أكثر دلالة من المشاركة نفسها. كما ينبغي التمييز بين العزوف والمقاطعة؛ فالمقاطعة في الغالب موقف سياسي معلن ومنظم، أما العزوف فقد يكون فرديًا وصامتًا، دون أن يفقد معناه السياسي.
ومن هنا، فإن اختزال جميع الممتنعين عن التصويت في وصف واحد يقود إلى قراءة ناقصة للظاهرة، لأن السؤال الحقيقي ليس: كم عدد الذين لم يصوتوا؟ بل: لماذا لم يصوتوا؟ وما الرسائل التي يحملها هذا الامتناع؟
ثانيًا: من أزمة الثقة إلى أزمة التمثيل… لماذا يعزف المواطن؟
اعتاد الخطاب السياسي التقليدي أن يحمل المواطن مسؤولية العزوف، فيربطه بضعف الوعي أو قلة الاهتمام بالشأن العام. غير أن هذا التفسير يتجاهل جانبًا أساسيًا من العلاقة الديمقراطية، وهو أن المشاركة السياسية لا تُفرض، بل تُبنى على الثقة.
فالمواطن لا يشارك في الانتخابات لأنه مدعو إلى ذلك فحسب، وإنما لأنه يعتقد أن صوته قادر على التأثير، وأن المؤسسات التي ينتخبها تمتلك القدرة والإرادة للاستجابة لتطلعاته. وعندما تتراجع هذه القناعة، يصبح العزوف نتيجة منطقية لأزمة أعمق من مجرد ضعف الإقبال على التصويت.
وتتعدد الأسباب التي تدفع المواطنين إلى العزوف. فقد يشعر بعضهم بأن البرامج الانتخابية متشابهة، وأن التنافس الحزبي لا يفضي إلى اختلاف حقيقي في السياسات العمومية. وقد يرى آخرون أن الوعود الانتخابية لا تصمد أمام اختبار الممارسة، وأن الحملات الانتخابية تتحول إلى خطابات موسمية تنتهي بانتهاء الاقتراع.
كما أن ضعف الوساطة الحزبية، وتراجع التأطير السياسي، وغياب النخب القادرة على استعادة ثقة المواطنين، كلها عوامل تساهم في اتساع دائرة العزوف. ولا ينبغي إغفال تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تجعل الأزمات المعيشية بعض المواطنين ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها بعيدة عن أولوياتهم اليومية.
لذلك، فإن العزوف ليس دائمًا أزمة مواطن، بل قد يكون أيضًا أزمة سياسة، وأزمة تمثيل، وأزمة ثقة في آن واحد.
ثالثًا: العزوف في الفكر السياسي… هل الصمت شكل من أشكال المشاركة؟
لم ينظر الفكر السياسي إلى المشاركة الانتخابية باعتبارها مجرد إجراء تقني، بل اعتبرها أحد مظاهر العلاقة بين المواطن والدولة. وقد رأى عدد من المفكرين أن المشاركة تمنح الديمقراطية مشروعيتها، لأنها تعبر عن انخراط المواطنين في إدارة الشأن العام.
غير أن تطور الفكر الديمقراطي كشف أن الامتناع عن التصويت لا يمكن دائمًا اعتباره نقيضًا للمشاركة. ففي بعض الحالات يكون الامتناع تعبيرًا عن رفض سياسي واعٍ، ورسالة موجهة إلى الفاعلين السياسيين، مفادها أن الخيارات المطروحة لا تستجيب لانتظارات المواطنين.
ومن هنا، فإن الصمت الانتخابي قد يكون موقفًا سياسيًا بقدر ما تكون المشاركة موقفًا سياسيًا، شريطة أن يكون نابعًا من قناعة واختيار، لا من اللامبالاة أو الانسحاب الكامل من المجال العام.
لكن هذا لا يعني أن كل عزوف يحمل مضمونًا احتجاجيًا؛ فالفكر السياسي يميز بين الامتناع بوصفه فعلًا واعيًا، والامتناع الناتج عن فقدان الاهتمام بالشأن العام، لأن الفرق بينهما هو الفرق بين الاحتجاج واللامبالاة.
رابعًا: الاحتجاج الصامت أم الانسحاب من المجال العام؟
تكمن أهمية العزوف الانتخابي في أنه يحمل وجهين متناقضين.
فالوجه الأول يتمثل في كونه شكلًا من أشكال الاحتجاج السياسي، حين يقرر المواطن الامتناع عن التصويت لأنه لا يجد بديلًا سياسيًا مقنعًا، أو لأنه يريد التعبير عن رفضه لأداء الأحزاب أو المؤسسات. وفي هذه الحالة يصبح الامتناع رسالة سياسية، حتى وإن لم تُكتب في بيان أو تُرفع في مظاهرة.
أما الوجه الثاني، فهو أن يتحول العزوف إلى انسحاب دائم من المجال العام، بحيث يفقد المواطن اهتمامه بالشأن السياسي، وينقطع عن كل أشكال المشاركة المدنية، سواء داخل الأحزاب أو الجمعيات أو النقابات أو الانتخابات.
وهنا تكمن الخطورة، لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على وجود انتخابات دورية، وإنما تقوم أيضًا على وجود مجتمع يشارك في النقاش العمومي، ويراقب المؤسسات، ويساهم في صناعة القرار بوسائل متعددة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في انخفاض نسبة المشاركة وحدها، وإنما في معرفة ما إذا كان العزوف احتجاجًا مؤقتًا قابلًا للتغيير، أم تحولًا دائمًا في علاقة المجتمع بالسياسة.
خامسًا: هل تُقاس شرعية الديمقراطية بنسبة المشاركة؟
غالبًا ما تُقدَّم نسب المشاركة الانتخابية باعتبارها المعيار الأهم للحكم على نجاح أي استحقاق انتخابي. فكلما ارتفعت نسبة الإقبال، اعتُبر ذلك دليلًا على قوة الشرعية الشعبية، وكلما انخفضت، أُثيرت الأسئلة حول مستقبل الديمقراطية. غير أن هذا الربط المباشر بين المشاركة والشرعية يبقى تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا.
فالانتخابات تمثل أحد أعمدة النظام الديمقراطي، لكنها ليست العمود الوحيد. إذ لا تكتسب الديمقراطية مشروعيتها من الصندوق وحده، وإنما من البيئة السياسية والقانونية والمؤسساتية التي تُجرى فيها الانتخابات. فقد تعرف بعض الدول نسب مشاركة مرتفعة، بينما تغيب فيها المنافسة الحقيقية، أو تضعف فيها الحريات العامة، أو تتراجع فيها استقلالية القضاء ووسائل الإعلام، فتفقد الانتخابات كثيرًا من مضمونها الديمقراطي رغم ارتفاع نسبة الإقبال.
وفي المقابل، قد تسجل ديمقراطيات راسخة نسب مشاركة متوسطة أو منخفضة، لكنها تحافظ على مؤسسات قوية، وأحزاب فاعلة، وقضاء مستقل، وإعلام حر، وآليات فعالة للمحاسبة، فتظل شرعيتها قائمة على جودة المؤسسات أكثر من اعتمادها على الأرقام وحدها.
إن الديمقراطية ليست مجرد عملية انتخابية، وإنما منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات، وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، واحترام نتائج الاقتراع، وإمكانية محاسبة المسؤولين. ومن ثم، فإن نسبة المشاركة مؤشر مهم، لكنها ليست المؤشر الوحيد، ولا تكفي بمفردها للحكم على صحة التجربة الديمقراطية.
ولذلك فإن التركيز المفرط على نسب المشاركة قد يحجب النقاش الحقيقي، وهو النقاش المتعلق بجودة التمثيل، وفعالية المؤسسات، ومدى شعور المواطن بأن صوته قادر على التأثير في السياسات العمومية.
سادسًا: العزوف الانتخابي في المغرب… قراءة تتجاوز الأرقام
يشكل العزوف الانتخابي في المغرب موضوعًا متجددًا في كل استحقاق انتخابي، إلا أن اختزاله في نسب المشاركة وحدها يحرم النقاش من أبعاده السياسية والاجتماعية. فالعزوف ليس ظاهرة طارئة، بل هو نتيجة مسار طويل من التحولات التي عرفها المجتمع والدولة والأحزاب السياسية.
لقد شهد المغرب خلال العقود الأخيرة إصلاحات دستورية ومؤسساتية مهمة، وعرف تطورًا ملحوظًا في الإطار القانوني المنظم للانتخابات، غير أن هذه الإصلاحات لم تمنع استمرار التساؤلات حول مدى قدرة العملية الانتخابية على إنتاج نخب سياسية قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
كما أن الأحزاب السياسية تواجه تحديات متزايدة في أداء وظيفتها التأطيرية والتمثيلية. فقد تراجعت قدرتها على استقطاب الشباب، وضعفت صلتها بالعمل الميداني، وأصبحت في نظر جزء من الرأي العام أقرب إلى مؤسسات انتخابية موسمية منها إلى فضاءات لإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين والدفاع عن مصالحهم
ولا يمكن إغفال التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي، حيث ظهرت أجيال جديدة تعبر عن مواقفها السياسية بوسائل تختلف عن الأشكال التقليدية للمشاركة. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، والعمل المدني، والمبادرات المحلية، والفضاءات الرقمية مجالات جديدة للتفاعل مع الشأن العام، وهو ما يفرض إعادة النظر في مفهوم المشاركة السياسية نفسه.
ومن جهة أخرى، فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تؤثر بصورة مباشرة في السلوك الانتخابي. فالمواطن الذي يواجه تحديات مرتبطة بالتشغيل أو التعليم أو الصحة أو القدرة الشرائية قد يقيم العملية السياسية انطلاقًا من أثرها الملموس في حياته اليومية، لا من الخطابات الانتخابية أو الشعارات الحزبية.
ولهذا، فإن فهم العزوف في المغرب يقتضي مقاربة شاملة تنظر إليه باعتباره نتيجة لتفاعل عوامل سياسية ومؤسساتية واجتماعية واقتصادية وثقافية، بدل اعتباره مجرد ضعف في الإقبال على التصويت.
سابعًا: مسؤولية من؟ المواطن أم الأحزاب أم المؤسسات؟
يخطئ النقاش العمومي عندما يبحث عن طرف واحد لتحميله مسؤولية العزوف الانتخابي، لأن الظاهرة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في مسؤولية المواطن أو الأحزاب أو الدولة وحدها.
فالمواطن مسؤول عن ممارسة حقوقه والمساهمة في الشأن العام، لكن هذه المسؤولية تقابلها مسؤولية الأحزاب في تقديم برامج واقعية، وإفراز نخب ذات كفاءة ونزاهة، وبناء علاقة مستمرة مع المواطنين لا تقتصر على فترات الانتخابات.
كما تتحمل المؤسسات العمومية مسؤولية تعزيز الثقة في العملية الديمقراطية من خلال ضمان الشفافية، واحترام القانون، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ الشعور بأن المؤسسات المنتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية وقدرة فعلية على الاستجابة لانتظارات المجتمع.
ولا يقل دور وسائل الإعلام أهمية عن ذلك، لأنها تساهم في تشكيل الوعي السياسي، وفي تقديم المعلومة الدقيقة، وفي فتح فضاءات للنقاش العمومي بعيدًا عن الإثارة أو التبسيط المخل.
كما تتحمل المدرسة والجامعة والمجتمع المدني مسؤولية ترسيخ ثقافة المواطنة، لأن الديمقراطية لا تُبنى فقط داخل مكاتب التصويت، بل تبدأ من التربية على الحوار، واحترام الاختلاف، والإيمان بأن الشأن العام مسؤولية جماعية.
ومن ثم، فإن معالجة العزوف لا يمكن أن تتم عبر حملات تدعو المواطنين إلى التصويت فحسب، بل تقتضي مراجعة شاملة للعلاقة بين المواطن والسياسة، وبين المجتمع ومؤسساته التمثيلية.
ثامنًا: كيف تستعيد الديمقراطية ثقة مواطنيها؟
إذا كان العزوف الانتخابي يعكس في جانب منه أزمة ثقة، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقوم على الدعوة إلى المشاركة وحدها، لأن الثقة لا تُفرض بالخطابات، ولا تُبنى بالحملات الإعلامية الموسمية، وإنما تنشأ من الممارسة اليومية، ومن قدرة المؤسسات على الوفاء بوظائفها، وقدرة الأحزاب على تمثيل المجتمع، وقدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
إن استعادة الثقة تبدأ بتجديد العمل الحزبي، لأن الأحزاب ليست مجرد أدوات لخوض الانتخابات، بل هي مؤسسات للتأطير السياسي، وإنتاج النخب، وصياغة البدائل. وعندما تفقد الأحزاب هذه الوظائف، تتحول الانتخابات إلى منافسة بين أشخاص بدل أن تكون تنافسًا بين مشاريع ورؤى، ويصبح المواطن أقل اقتناعًا بجدوى المشاركة.
كما أن تعزيز الثقة يقتضي ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يشعر المواطن بأن صوته لا ينتهي بمجرد إعلان النتائج، وإنما يستمر من خلال مراقبة أداء المنتخبين ومساءلتهم. فالمحاسبة هي التي تمنح للعملية الانتخابية معناها الحقيقي، لأنها تحول التصويت من إجراء دوري إلى آلية دائمة لتقويم الأداء السياسي.
ولا يقل عن ذلك أهمية توسيع مجالات المشاركة العامة، فالديمقراطية لا تختزل في الانتخابات وحدها، بل تشمل أيضًا الحوار العمومي، والمشاركة المدنية، والعمل الجمعوي، والعرائض، والمبادرات التشريعية، وكل الآليات التي تجعل المواطن حاضرًا في صناعة القرار بين استحقاق انتخابي وآخر.
ومن جهة أخرى، فإن تجديد الخطاب السياسي أصبح ضرورة ملحة. فالمواطن المعاصر أكثر اطلاعًا، وأكثر قدرة على المقارنة، ولم يعد يقتنع بالشعارات العامة أو الوعود غير القابلة للتحقق. ولذلك فإن استعادة الثقة تمر عبر الصدق السياسي، والوضوح في البرامج، والواقعية في الالتزامات، وربط الخطاب بالممارسة.
كما أن إشراك الشباب في الحياة السياسية لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا لاستمرار الحيوية الديمقراطية. فهذه الفئة لا تعاني من عزوف عن الشأن العام بقدر ما تعيد تعريف طرق المشاركة فيه. ومن ثم، فإن المطلوب ليس مطالبة الشباب بالتكيف مع الأشكال التقليدية للممارسة السياسية، وإنما تطوير المؤسسات لتستوعب التحولات التي يعرفها المجتمع، وتفتح المجال أمام أشكال جديدة للمشاركة والتأثير.
إن الديمقراطية لا تقوى بالإكثار من الدعوات إلى التصويت، وإنما بإقناع المواطن بأن مشاركته ذات قيمة، وأن صوته لا يضيع بين الشعارات، بل ينعكس في السياسات والقرارات والبرامج التي تمس حياته اليومية.
خاتمة: الديمقراطية تبدأ من الثقة ولا تنتهي عند صندوق الاقتراع
ليس المقصود من الحديث عن العزوف الانتخابي الدفاع عنه أو اعتباره فضيلة سياسية، كما أنه ليس دعوة إلى المشاركة مهما كانت الظروف. فالمشاركة والمقاطعة والعزوف ليست مواقف صحيحة أو خاطئة بإطلاق، وإنما هي خيارات سياسية تختلف دوافعها ودلالاتها باختلاف السياقات.
غير أن المؤكد هو أن استمرار العزوف بمستويات مرتفعة ينبغي أن يدفع إلى مساءلة الحياة السياسية أكثر مما يدفع إلى مساءلة المواطنين. فالديمقراطية لا تفقد حيويتها لأن عددًا من المواطنين امتنعوا عن التصويت، وإنما تفقدها عندما يصبح هذا الامتناع تعبيرًا متكررًا عن تراجع الثقة، وضعف التمثيل، واتساع الفجوة بين المؤسسات والمجتمع.
إن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتجسيد الإرادة الشعبية، ولا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تكون قادرة على إنتاج مؤسسات ذات مصداقية، ونخب مسؤولة، وسياسات تستجيب لانتظارات المواطنين. وعندما يشعر المواطن بأن صوته قادر على التأثير، تصبح المشاركة فعلًا طبيعيًا لا يحتاج إلى حملات تحفيزية. أما عندما يتراجع هذا الشعور، فإن العزوف يتحول إلى رسالة سياسية ينبغي الإصغاء إليها بدل الاكتفاء بإحصائها.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفاعلين السياسيين ليس: كيف نرفع نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة؟ بل: كيف نبني علاقة جديدة بين المواطن والسياسة تقوم على الثقة، والشفافية، والمساءلة، والقدرة على الإنجاز؟
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تُلقى في صناديق الاقتراع، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على أن تجعل كل مواطن يشعر بأن صوته، سواء عبر عنه بالتصويت أو بالاحتجاج السلمي، جزء من نقاش عام يحترم إرادته ويأخذها على محمل الجد. وعندما تبلغ الديمقراطية هذه المرحلة، يصبح العزوف استثناءً لا قاعدة، ويغدو الاختيار الانتخابي تعبيرًا عن الثقة لا مجرد استجابة لواجب موسمي.
وعندها فقط، لا يكون الصندوق مجرد وعاء للأصوات، بل يصبح مرآةً حقيقية للعلاقة بين المجتمع والدولة، ومقياسًا لمدى حيوية الديمقراطية وقدرتها على تجديد شرعيتها باستمرار.








