زايوسيتي
ماذا يحدث عندما يقرر الإنسان أن يروي قصته للعالم، لا كما عاشها بتفاصيلها الواقعية، بل كما تخدم الهدف الذي يسعى للوصول إليه؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة على طاولة النقاش اليوم، إثر الضجة التي أثارتها قصة المهاجرة غير النظامية “وفاء ع.”، والتي ظهرت مؤخرا في تحقيق لصحيفة “إل باييس” الإسبانية.
لا يمكن قراءة هذه الحكاية كقصة هجرة عادية تبحث عن أفق أفضل، بل كنموذج يطرح تساؤلات شائكة حول ظاهرة إعادة تدوير السير الذاتية وتقديم الأوطان والعائلات في قالب سلبي، متى ما كان ذلك هو الطريق الأقصر نحو تحقيق مكاسب شخصية.
ظهرت المعنية بالأمر في التغطية الصحفية لتتحدث عن ضغوط عائلية ومجتمعية حادة مرتبطة باختياراتها وحياتها الشخصية. غير أن أرشيف مواقع التواصل الاجتماعي لم يتأخر في كشف وجه آخر، حيث انتشرت مقاطع فيديو قديمة توثق سفرها السابق إلى عدة بلدان، من بينها حضورها لفعاليات كأس العالم في قطر عام 2022 لمساندة المنتخب المغربي. هذا التناقض الصارخ خلق فجوة واسعة بين حياة السفر التي وثقتها بنفسها سابقا، وبين صورة “الضحية المضطهدة” التي روجت لها لاحقا للحصول على التعاطف أو لتسهيل مسار لجوئها.
المشكلة الجوهرية لا تكمن في رغبة الفرد في الهجرة، ولا في وجود خلافات أسرية محتملة، فهذه تفاصيل بشرية طبيعية. تكمن المعضلة الحقيقية في تحويل التجربة الفردية الخاصة جداً إلى حكم شامل وناطق باسم مجتمع بأكمله، وتقديم الأسرة والبلد كرمز للتسلط والقمع بهدف استدرار العطف الغربي، فضلا عن تنصل البعض من تفاصيل حياتهم السابقة وتعمد تضخيم السلبيات لإظهار أنفسهم في صورة الضحية المطلقة.
تأخذ هذه الممارسات أبعاداً أكثر خطورة عندما تستغلها جهات تربصية لتغذية سرديات معادية، لاسيما في ظل التوترات والأحداث المرتبطة بملفات الهجرة ومعبر سبتة، حيث تتحول بعض القصص المفبركة أو المضخمة إلى مادة دسمة لخدمة أجندات سياسية وإعلامية خارجية.
إن البحث عن مستقبل أفضل هو حق مشروع لكل إنسان، والهجرة بشتى الطرق القانونية خيار مكفول، لكن بيع الانتماء وتشويه صورة المجتمع ثمناً لمكسب شخصي لا يعد بطولة، بل هو سلوك يستغل التعاطف الإنساني لأغراض نفعية ضيقة.
من حق أي شخص أن يغير حياته ويبحث عن فرص جديدة في أي مكان بالعالم، ولكن ليس من حقه أبداً أن يشوه واقع ملايين البشر أو يتاجر بسمعة وطنه وعائلته ليعبد طريقه نحو تحقيق غاياته الفردية.








