زايوسيتي
من الناظور بدأت الحكاية، ومن مدارس مليلية وتطوان تشكلت البدايات الأولى لمسار رجل سيصبح لاحقا واحدا من أبرز الوجوه التي طبعت تاريخ الإدارة والدولة المغربية. إنه بنعلي المنصوري، ابن العروي الذي اختار منذ شبابه أن يجعل من العلم والتكوين جسرا نحو خدمة الوطن، قبل أن تقوده خطواته إلى فرنسا، حيث تابع بين سنتي 1963 و1966 تكوينه في نانت، مستفيدا من تجربة أكاديمية أودينسيا، ومتشبعا بمفاهيم الإدارة الحديثة وبناء المؤسسات.
وعندما عاد إلى المغرب نهاية سنة 1967، لم يكن همه البحث عن موقع إداري أو سياسي، بل كان يحمل معه تصورا واضحا لدور المسؤول في خدمة الدولة والمجتمع. وكانت أولى محطاته المهنية مكتب الشريف للفوسفاط، حيث تولى منصب مدير تنفيذي، وهي تجربة مكنته من اكتشاف حجم المسؤولية المرتبطة بتدبير مقدرات البلاد وثرواتها.
ومن هذه المحطة انطلقت مسيرة طويلة داخل مؤسسات الدولة. فقد تقلد بنعلي المنصوري عددا من المسؤوليات الوزارية والإدارية، وانتقل بين قطاعات مختلفة، من السياحة إلى الفلاحة، ومن الشؤون الإدارية إلى الوظيفة العمومية والنقل، كما اضطلع بين سنتي 1973 و1977 بمهام مرتبطة برئاسة الأركان وإدارة الخدمة المدنية بوزارة الدولة، خصوصا في مجالي التعاون والتكوين التنفيذي.
وكان واضحا في مساره أن المسؤولية بالنسبة إليه لم تكن مجرد منصب، بل تكليفا يفرض العمل والانضباط وترك أثر مؤسساتي يستمر بعد مغادرة المسؤول لمكتبه.
وفي سنة 1977، انتقل المنصوري إلى العمل السياسي من بوابة الناظور، بعدما انتخب عضوا في مجلس المدينة، قبل أن يصبح رئيسا لمجلس إقليم الناظور، ثم نائبا برلمانيا عن الإقليم. وهكذا أصبح حضوره في السياسة امتدادا لمساره في الإدارة، وليس قطيعة معه، إذ ظل ينظر إلى العمل العام باعتباره شكلا آخر من أشكال خدمة المواطنين.

وفي العاشر من أكتوبر 1977، عين وزيرا للسياحة في الحكومة التي ترأسها أحمد عصمان، وظل في هذا المنصب إلى غاية 27 مارس 1979. وخلال هذه المرحلة، حمل ملف السياحة المغربية في فترة كانت المملكة تعمل فيها على تعزيز حضورها وانفتاحها على العالم.
بعد ذلك، واصل تحمله لمسؤوليات حكومية مختلفة، من الشؤون الإدارية والوظيفة العمومية إلى النقل، ضمن أربع حكومات متعاقبة، وصولا إلى سنة 1985، ليصبح بذلك واحدا من رجال الدولة الذين راكموا تجربة واسعة في تدبير الملفات الكبرى والمعقدة.
ولم يقتصر اهتمامه على العمل الحكومي والإداري، بل امتد إلى المجال الثقافي والاجتماعي. ففي 3 أبريل 1978، أسس الجمعية الاجتماعية والثقافية لحوض البحر الأبيض المتوسط، وهي مبادرة عكست إيمانه بأن البحر الأبيض المتوسط يمكن أن يكون فضاء للتقارب والحوار والتبادل بين الشعوب والثقافات، وليس مجرد حدود جغرافية تفصل بينها.
لكن إحدى أكثر اللحظات حساسية في مسيرة بنعلي المنصوري ارتبطت بسنة 1984، حين كان المغرب يعيش على وقع احتجاجات اجتماعية بسبب ارتفاع الأسعار، تزامنا مع انعقاد مؤتمر الدول الإسلامية بالدار البيضاء.
وفي قاعة القصر، استمع المنصوري إلى خطاب للملك الحسن الثاني تضمن وصفا لسكان شمال المغرب بعبارة جارحة. ووفق ما أورده المنصوري في سيرته الذاتية، فقد تلقى تلك الكلمات بصدمة شديدة، إلى درجة أنه شعر بدوار وكاد يسقط، قبل أن ينسحب إلى أحد أركان القاعة ويبكي متأثرا، باعتباره أولا ابن الريف، قبل أن يكون وزيرا في الحكومة.
وحسب روايته، حاول الوزير الأول آنذاك كريم العمراني والجنرال حسني بنسليمان مواساته، غير أن وقع الكلمات كان أعمق من أن تمحوه المواساة. وبعد انتهاء الخطاب، توجه المنصوري مباشرة إلى الملك الحسن الثاني، وأبلغه بأنه لم يعد يرى نفسه قادرا على الاستمرار في الحكومة، مقدما استقالته.
ويحكي في سيرته أن الملك استمع إليه دون أن يعلق، ثم غادر المكان. وبعد ساعات، دعي المنصوري إلى مأدبة غداء، حيث جلس إلى المائدة وتناول الطعام، دون أن يفتح موضوع الاستقالة. ولاحقا علم أن استقالته لم تقبل.
كانت تلك الواقعة، كما يرويها المنصوري، لحظة تختزل الصراع الصامت بين رجل الدولة وابن الريف، بين مقتضيات الوظيفة الرسمية وعمق الانتماء إلى الأرض والناس. ولم يحول ذلك الموقف دون مواصلته العمل، بل اختار الاستمرار في أداء مسؤولياته، محافظا على قناعته بأن خدمة الوطن يمكن أن تستمر حتى في أصعب الظروف.
ومن سنة 1985 إلى سنة 1999، شغل بنعلي المنصوري عضوية الديوان الملكي برتبة وزير في عهد الملك الحسن الثاني، قبل أن يواصل مهامه منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، محافظا على حضوره داخل دوائر الدولة وعلى دوره في تقريب وجهات النظر وخدمة المؤسسات في صمت بعيدا عن الأضواء.
ومساره الطويل لم يمر دون تقدير رسمي؛ فقد وشحه الملك الحسن الثاني بوسام العرش من درجة ضابط سنة 1985، قبل أن يرفعه الملك محمد السادس سنة 2009 إلى رتبة قائد، تقديرا لعقود من العمل داخل مؤسسات الدولة.
بنعلي المنصوري، في نهاية المطاف، ليس مجرد اسم مر على عدد من الوزارات والمناصب، بل شخصية تختزل مرحلة من تاريخ الدولة المغربية. رجل جمع بين تجربة الإدارة ورهانات السياسة، وبين الانتماء العميق إلى الناظور والحضور في أعلى دوائر القرار.
وإذا كانت المناصب تنتهي بانتهاء الولاية، فإن بعض المسارات تبقى شاهدة على أصحابها. ومسيرة بنعلي المنصوري واحدة من تلك المسارات التي جعلت من ابن العروي جزءا من ذاكرة الدولة، ومن انتمائه إلى الريف صوتا ظل حاضرا في مسار رجل اختار أن يعمل أكثر مما يتحدث، وأن يترك بصمته بعيدا عن الضجيج.
إنه ابن العروي الذي حمل معه ذاكرة المنطقة إلى قلب الدولة، ورجل دولة ظل، رغم امتداد مساره، مرتبطا بجذوره الأولى. ولذلك يبقى اسمه جزءا من الذاكرة السياسية والإدارية للناظور، وشاهدا على مرحلة كان فيها أبناء المنطقة يجدون لأنفسهم موقعا في أعلى مستويات المسؤولية الوطنية.








