في إحدى قرى إقليم قشتالة-لا مانتشا الإسباني، توجد عادة سياحية غير مألوفة قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، وتتمثل ضرب الرأس برفق في أحد أعمدة الساحة. لكن خلف هذا التصرف قصة أدبية تعود إلى واحد من أشهر الأعمال في الأدب الإسباني، “لازاريو دي تورميس”.
إسكالونا.. قرية تختصر قروناً من التاريخ
تقع إسكالونا في مقاطعة طليطلة، وتتميز بطابعها التاريخي الذي يظهر في قلعتها وقصرها القديم وأسوارها وشوارع مركزها التاريخي. وتبرز في قلب البلدة ساحة الأمير دون خوان مانويل، وهي ساحة تاريخية تعود إلى القرن الخامس عشر، وتتميز بالأعمدة والمباني التقليدية والأرضية الترابية التي أصبحت جزءاً من هوية المكان. لكن شهرة الساحة لا ترتبط بالعمارة وحدها، وإنما أيضاً بعلاقة المكان برواية إسبانية شهيرة.
القصة بدأت مع “لازاريو دي تورميس”
تعود الحكاية إلى رواية “لازاريو دي تورميس“، وهي عمل أدبي نُشر في القرن السادس عشر ويُعد من أبرز الأعمال المؤسسة للرواية البيكارية الإسبانية. وفي أحد مشاهد الرواية، يصل لازارو إلى إسكالونا برفقة سيده الأعمى. وبعد سلسلة من المحاولات الفاشلة للهرب منه بسبب معاملته القاسية، يقرر لازارو التخلص منه أخيراً. فيخدعه ويجعله يعتقد أنه يستعد للقفز فوق مجرى مائي، بينما يضعه في الحقيقة أمام عمود، فيرتطم الرجل الأعمى به. ويستغل لازارو اللحظة للفرار.
من مشهد أدبي إلى «طقس» سياحي
بعد مرور قرون، تحولت هذه القصة إلى عادة رمزية في إسكالونا. فبجانب دار المجلس يوجد العمود الذي أصبح مرتبطاً بما يعرف باسم “طقس ضربة الرأس“. ويُطلب من الزائر أن يلمس العمود أو يضرب رأسه به ضربة خفيفة، في استعادة رمزية للمشهد الذي أنهى فيه لازارو علاقته بسيده الأعمى.
ولا يُنظر إلى هذه العادة على أنها مجرد حركة طريفة للسياح، إذ تقدمها السياحة المحلية بوصفها رمزاً للتحرر من القيود التي تقيد الإنسان. وهكذا يتحول الزائر من مجرد متفرج على تاريخ البلدة إلى مشارك في تقليد مستوحى من الأدب الإسباني.
عمود يحمل قصة عمرها قرون
من جهته، يقر مكتب السياحة المحلي أن العمود الموجود اليوم ربما كان أساساً جزءاً من فناء القلعة، قبل أن يتم نقله إلى موقعه الحالي عقب الدمار الذي لحق بالمنطقة خلال الحقبة النابليونية.
وهذا يمنح العمود قيمة تاريخية إضافية، إذ لم يعد مجرد عنصر معماري في الساحة، بل أصبح نقطة يلتقي فيها التاريخ المحلي بالأدب والذاكرة الشعبية.
قلعة وأسوار وآثار تاريخية
ولا تقتصر جاذبية إسكالونا على هذه العادة الغريبة. فالبلدة تضم قلعة ذات أصول تعود إلى العصور الوسطى، وتتميز بأبراجها وتصميمها وموقعها المرتبط بمشهد نهر ألبرشي.
كما يمكن للزائر اكتشاف بوابة وكنيسة سان ميغيل ، إلى جانب مسار من الجداريات التي تستعيد شخصيات تاريخية وأشكالاً من الحياة القديمة في البلدة.
لماذا يضرب الناس رؤوسهم بالعمود؟
وهكذا تبين أن الأمر ليس مرتبطاً بخرافة أو معتقد غريب، بل بقصة أدبية عمرها يمتد لقرون. فالحركة تحولت اليوم إلى تجربة رمزية وسياحية مستوحاة من “لازاريو دي تورميس“، وتحديداً من المشهد الذي يرتطم فيه سيد لازارو الأعمى، بالعمود قبل أن يتمكن الشاب من الهرب. وبذلك أصبحت إسكالونا، واحدة من الأماكن التي تتداخل فيها السياحة والتاريخ والأدب والذاكرة الشعبية بطريقة غير مألوفة.








