سعيد قدوري
تطرح اللوائح الانتخابية بمدينة زايو، من جديد، أسئلة كبيرة حول مدى مطابقتها للواقع، وحول الطريقة التي تدار بها العملية الانتخابية، خصوصا في ظل مفارقة لافتة بين حجم السخط الشعبي على تدبير الشأن العام وبين النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع في كل استحقاق انتخابي.
فالمتتبع للشأن المحلي يلمس، بحسب ما يتردد على نطاق واسع بين المواطنين، حالة من عدم الرضا عن أداء عدد من المنتخبين، غير أن هذا السخط لا ينعكس بالضرورة على نتائج الانتخابات. والسبب، وفق قراءة عدد من المتابعين، أن بعض مدبري الشأن العام أصبحوا أكثر انشغالا بكيفية الحفاظ على مواقعهم الانتخابية من الانشغال بتقديم حصيلة تنموية مقنعة للساكنة.
لكن لفهم جزء من هذه المعادلة، قد يكون من المفيد التوقف عند نموذج محدد من الدوائر الانتخابية بمدينة زايو، ويتعلق الأمر بـالدائرة الانتخابية رقم 16.
بحسب آخر المعطيات المتعلقة باللوائح الانتخابية، تضم الدائرة 16 ما مجموعه 646 مسجلا. وبحسب بحث ميداني يقول معدوه إنهم قاموا به، فقد تبين أن حوالي 365 شخصا من أصل المسجلين لا يقطنون بالدائرة، وهو رقم يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى تطابق اللوائح الانتخابية مع الواقع الديموغرافي للمنطقة.
ومن بين هؤلاء، يوجد 64 شخصا من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وهو أمر لا يشكل في حد ذاته مخالفة، باعتبار أن أفراد الجالية يمكنهم، وفق القواعد المنظمة للتسجيل الانتخابي، أن يكونوا مسجلين ضمن الدائرة التي ينتمون إليها.
لكن بعد استبعاد هؤلاء، يبقى الحديث عن 301 مسجل تقول المعطيات التي توصلنا بها إنهم لا يقطنون بالدائرة. ومع ذلك، فإن هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن جميع هؤلاء لا تتوفر لهم الصفة القانونية للتسجيل، كما أن هناك أشخاصا لم يتم احتسابهم ضمن غير القاطنين لغياب أدلة كافية حول وضعيتهم. لذلك تبقى هذه المعطيات بحاجة إلى التحقق الرسمي من الجهات المختصة.
المثير في الدائرة نفسها، وفق المعطيات المتوفرة، أن هناك 18 شخصا يحملون الاسم العائلي نفسه ضمن المسجلين وهم من عائلة منتخب.
وبحسب المعطيات التي توصلنا بها، فإن شخصا أو اثنين من هذه المجموعة قد يكون وجودهما في الدائرة طبيعيا، بينما تطرح وضعية باقي الأسماء علامات استفهام، خاصة أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن عددا منهم لا يقيمون أصلا بمدينة زايو، ولا يظهر حضورهم في المنطقة، وفق أصحاب هذه المعطيات، إلا خلال المحطات الانتخابية.
وهنا تحديدا تبرز الحاجة إلى التحقق والتدقيق، ليس فقط في هذه الدائرة، وإنما في مختلف الدوائر الانتخابية بالمدينة، تفاديا لأي استعمال غير مشروع للوائح الانتخابية أو توظيفها لخدمة حسابات انتخابية ضيقة.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كان مواطنون عاديون يستطيعون، من خلال بحث بسيط، رصد مثل هذه الحالات، فما الذي تقوم به الجهات المكلفة قانونا بمراقبة اللوائح الانتخابية؟
فالسلطة المحلية تتوفر على شبكة واسعة من أعوان السلطة، من شيوخ ومقدمين، يفترض أن يكونوا على دراية دقيقة بالسكان وبالأشخاص المقيمين فعليا داخل النفوذ الترابي لكل دائرة.
ومن هنا، فإن إثارة هذه المعطيات لا تعني توجيه اتهام مسبق لأي جهة أو شخص، وإنما تطرح سؤالا مشروعا حول مدى قيام الجهات المختصة بواجبها في تحيين اللوائح الانتخابية والتأكد من احترام شروط التسجيل فيها.
وإذا ثبت بالفعل وجود أعداد كبيرة من المسجلين الذين لا يقيمون بالدائرة، أو حالات تسجيل لا تستند إلى الشروط القانونية، فإن الأمر يصبح أكثر من مجرد خلل إداري، لأنه قد يؤثر بشكل مباشر على نزاهة المنافسة الانتخابية وعلى إرادة الناخبين.
المشكلة، في نظر كثير من المتابعين، لا تبدأ يوم وضع الأوراق داخل صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال اللوائح الانتخابية ومنظومة التسجيل والتحيين، ثم طريقة إدارة الحملات الانتخابية واستقطاب الناخبين.
وإذا كانت ساكنة مدينة زايو تعبر في مناسبات عديدة عن عدم رضاها عن واقع المدينة ومستوى الخدمات والتنمية، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه هو: لماذا لا تتحول هذه المواقف إلى نتائج انتخابية تعكسها صناديق الاقتراع؟
قد تكون الإجابة مرتبطة بعوامل سياسية واجتماعية وانتخابية متعددة، لكن ملف اللوائح الانتخابية يظل أحد المفاتيح التي تستحق افتحاصا جادا وشفافا.
وبالنسبة للدائرة 16، فإن الأرقام المتداولة بشأن 646 مسجلا، و365 شخصا يقال إنهم لا يقيمون بالدائرة، من بينهم 64 من أفراد الجالية و301 حالة أخرى محل تساؤل، تستدعي، على الأقل، توضيحا رسميا من الجهات المختصة.
فالانتخابات النزيهة تبدأ من لائحة انتخابية سليمة، وأي شكوك تحوم حول هذه اللوائح لا ينبغي أن تقابل بالصمت، بل بالتحقق والتدقيق والتوضيح، حتى تكون صناديق الاقتراع في النهاية تعبيرا حقيقيا عن إرادة سكان زايو، لا عن هندسة انتخابية تسبق يوم الاقتراع.









لماذا لم يطرح هذا الموضوع خلال فترة مراجعة اللوائح الانتخابية و ما الغاية من اثارته الآن؟