دعت المديرية العامة للأرصاد الجوية إلى توخي الحيطة والحذر خلال فترات عدم الاستقرار الجوي المصحوبة بزخات رعدية، خاصة بالمناطق الجبلية والداخلية، في وقت تشهد فيه عدد من مناطق الأطلس، وعلى رأسها إقليم أزيلال، إقبالا كبيرا من المصطافين هربا من موجات الحرارة التي تعرفها المملكة خلال شهر غشت.
ويأتي هذا الإقبال السياحي في ظل طقس صيفي متقلب، قد يتحول في ظرف وجيز من أجواء مشمسة ودرجات حرارة مرتفعة إلى زخات رعدية قوية وسيول مفاجئة، ما يطرح تحديات متزايدة أمام سلامة الزوار والسكان، خصوصا في المناطق التي تعرف انتشار الأودية والشعاب والمجاري المائية.
وتوضح الدكتورة نادية احمايتي، الخبيرة في البيئة والتغيرات المناخية، أن الأمطار الرعدية الصيفية التي تعرفها مناطق الأطلس، ومنها إقليم أزيلال، ليست ظاهرة جديدة، غير أن ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات التي يشهدها النظام المناخي يفرضان، بحسبها، إعادة التفكير في سبل التكيف والوقاية من مخاطرها.
وأشارت الخبيرة في تصريح للأولى إلى أن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة يزيد من قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ ببخار الماء، قبل أن يؤدي التقاء هذه الرطوبة بكتل هوائية أكثر برودة في الطبقات العليا، في ظل أجواء غير مستقرة، إلى تشكل سحب رعدية كثيفة قادرة على إنتاج تساقطات غزيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
وقد تكون هذه العواصف مصحوبة بتساقط البرد وهبوب رياح قوية، فيما تلعب تضاريس سلسلة الأطلس دورا في تعزيز هذه العملية، من خلال تسريع صعود الكتل الهوائية وتكاثفها، وبالتالي دعم تشكل العواصف المحلية.
وفي المقابل، تشدد احمايتي على ضرورة التمييز بين الظواهر الجوية اليومية والتغير المناخي، موضحة أن العاصفة الرعدية المنفردة لا يمكن ربطها بشكل مباشر بالتغير المناخي، باعتبارها جزءا من النظام الجوي الطبيعي. غير أن تغير المناخ يساهم في رفع درجات الحرارة وتغيير أنماط التساقطات، وهو ما قد يجعل بعض الظواهر الجوية المتطرفة أكثر حدة أو تقلبا.
وتبرز هذه المفارقة، بحسب الخبيرة، في توالي فترات طويلة من الحرارة والجفاف، تتخللها أحيانا تساقطات شديدة ومكثفة في فترة زمنية وجيزة، وهو ما يزيد من مخاطر السيول المفاجئة في المناطق الجبلية.
ولا يرتبط خطر السيول بكمية الأمطار وحدها، بل يتأثر كذلك بسرعة هطولها وطبيعة التضاريس والتربة ومدى توفر الغطاء النباتي، وفق الدكتورة احمايتي، التي تحذر من أن الأمطار الغزيرة قد تهطل في مناطق مرتفعة، بينما تظل الأجواء مشمسة في الوادي، قبل أن تتدفق المياه بشكل مفاجئ نحو المناطق المنخفضة.
وتؤكد الخبيرة أن وجود وادٍ جاف عند وصول المصطافين لا يعني بالضرورة أنه مكان آمن، داعية إلى عدم التخييم أو الاستقرار في مجاري الأودية والشعاب، حتى لو كانت جافة تماما، مع ضرورة الاطلاع على نشرات اليقظة الجوية الرسمية قبل التوجه إلى المناطق الجبلية، ومراقبة أي تغيرات مفاجئة في حالة الطقس، خصوصا ظهور السحب الرعدية.
كما تؤكد أنه عند سماع الرعد أو ملاحظة تشكل عاصفة قوية، ينبغي مغادرة الأودية والمناطق المنخفضة فورا والتوجه إلى مكان مرتفع وآمن، مع الامتناع عن محاولة عبور المجاري المائية أو الطرق التي تغمرها المياه، سواء سيرا على الأقدام أو باستعمال السيارات، نظرا إلى أن قوة المياه قد تكون أكبر بكثير مما يبدو للعين.
وترى الدكتورة نادية احمايتي أن مواجهة هذه المخاطر لا ينبغي أن تقتصر على رد الفعل بعد وقوع الحوادث، بل تستدعي تعزيز ثقافة الاستباق والوقاية على المستوى المؤسساتي، من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر على المستوى المحلي، وإعداد خرائط دقيقة للمناطق المعرضة للسيول، ووضع لوحات تحذيرية في المواقع السياحية الجبلية، فضلا عن منع التخييم والبناء في المناطق عالية الخطورة وتشديد المراقبة خلال فترات العواصف.
كما تدعو إلى تكوين المرشدين السياحيين والفاعلين في القطاع السياحي والجمعيات المحلية بشأن كيفية التعامل مع مخاطر السيول، إلى جانب تطوير وسائل سريعة وفعالة لإيصال التحذيرات إلى السكان والزوار، بما في ذلك الرسائل الهاتفية وأنظمة الإنذار المحلية.
وتخلص الخبيرة البيئية إلى أن التغير المناخي يفرض الانتقال من ثقافة التدخل بعد وقوع الكارثة إلى ثقافة تقوم على الاستباق والوقاية، مؤكدة أن تنمية السياحة الجبلية والبيئية ينبغي أن تواكبها منظومة للسلامة تتناسب مع طبيعة المخاطر المناخية.
وبالنسبة للمصطافين، فإن الاطلاع على النشرة الجوية قبل التوجه إلى المناطق الجبلية لم يعد مجرد خطوة احترازية ثانوية، بل أصبح جزءا أساسيا من ثقافة السلامة، خصوصا خلال فترات موجات الحرارة واحتمال تشكل العواصف الرعدية.








