لم تعد الصحافة الإسبانية تكتفي بسرد تفاصيل موجة الهجرة غير الشرعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الماضية، بل بدأت تتجه إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف تحولت شائعة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى عامل دفع آلاف الشباب نحو الحدود المغربية الإسبانية في ظرف وجيز؟
فبعد انحسار حدة الأحداث وعودة الهدوء النسبي إلى المدينة، كرست وسائل إعلام إسبانية ودولية اهتمامها لتتبع الروايات التي سبقت موجة العبور، والبحث في مدى تأثيرها على قرار آلاف المرشحين للهجرة بالتوجه إلى الفنيدق ومحاولة الوصول إلى سبتة سباحة أو عبر المعبر الحدودي.
وبحسب وكالة “رويترز”، فإن إحدى أكثر الروايات انتشارا تمثلت في الادعاء بأن قرارا صادرا عن المحكمة العليا الإسبانية أصبح يمنع السلطات من إعادة كل من يتمكن من الوصول إلى سبتة عبر البحر، وهو ما خلق لدى عدد كبير من الشباب انطباعا بأن بلوغ المدينة الإسبانية يعني تلقائيا البقاء داخل التراب الأوروبي. غير أن الوكالة أوضحت أن هذا التفسير كان غير دقيق، لأن القرار القضائي تناول وضعيات قانونية محددة، ولم يلغ إمكانية إعادة المهاجرين غير النظاميين عبر المساطر القانونية المعمول بها.
وفي السياق نفسه، رصدت وسائل إعلام إسبانية، من بينها “El Faro de Ceuta”، انتشارا واسعا لمنشورات ومقاطع فيديو على منصات مثل “تيك توك” و”فيسبوك”، تضمنت رسائل تشجع على التوجه إلى سبتة المحتلة، وتوحي بأن الطريق إلى أوروبا أصبح مفتوحا أو أن فرص الإعادة إلى المغرب أصبحت ضعيفة، وهي رسائل لاقت انتشارا كبيرا في أوساط الشباب خلال الأيام التي سبقت الأزمة.
أما “وكالة أسوشيتد برس”، فقد خصصت تقريرا لتفنيد عدد من الادعاءات التي صاحبت الأزمة، مؤكدة أن العديد من المعلومات التي جرى تداولها على مواقع التواصل لم تستند إلى معطيات رسمية، وأنها ساهمت في خلق صورة مضللة عن الوضع القانوني للمهاجرين الذين يتمكنون من الوصول إلى سبتة.
ورغم الاهتمام الإعلامي المتزايد بهذا الجانب، لم تعلن السلطات الإسبانية، إلى حدود الآن، عن وجود أدلة تثبت وقوف جهة بعينها وراء إطلاق هذه الشائعات أو تنسيق حملة منظمة للترويج لها. غير أن عددا من التقارير الإعلامية الإسبانية تحدث عن احتمال استغلال شبكات تهريب البشر للمعلومات المتداولة عبر الإنترنت من أجل تشجيع مزيد من الشباب على خوض رحلة الهجرة، دون أن يصدر تأكيد رسمي بهذا الشأن.
ويأتي هذا النقاش في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى أن عددا كبيرا من الذين توجهوا نحو سبتة المحتلة عادوا إلى المغرب بعد وقت قصير، عقب اكتشافهم أن الوصول إلى المدينة لا يمنح حق الإقامة أو العبور إلى باقي التراب الإسباني، وأن السلطات واصلت تفعيل إجراءات الإعادة وفقا للإطار القانوني المعمول به.
وبينما تستمر التحقيقات الأمنية والإدارية لتقييم ما جرى، يبدو أن ملف سبتة المحتلة لم يعد يطرح فقط أسئلة حول الهجرة وتأمين الحدود، بل فتح أيضا نقاشا واسعا حول دور منصات التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المضللة، ومدى قدرتها على التأثير في قرارات آلاف الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما جعل عددا من وسائل الإعلام الإسبانية تعتبر أن معركة مواجهة الشائعات أصبحت جزءا أساسيا من إدارة أزمات الهجرة مستقبلا.







