على بعد أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية، أعادت الحكومة رسم جزء من قواعد المال الانتخابي، برفع سقف النفقات الانتخابية للمترشحين من 500 ألف درهم إلى 600 ألف درهم، وتوسيع نطاق النفقات القابلة للاحتساب لتشمل وسائل التواصل الرقمية والذكاء الاصطناعي، مع وضع ضوابط جديدة لتأطير الإنفاق الانتخابي.
ويأتي هذا التعديل في وقت كشفت حسابات انتخابات 2021 أن كلفة المقعد البرلماني تراوحت، باستثناء الحالات الاستثنائية، بين نحو 322 ألف درهم وأكثر من 490 ألف درهم للمقعد الواحد، بينما تجاوزت 1,36 مليون درهم في حالة حزب العدالة والتنمية، نتيجة الانهيار الانتخابي الذي عرفه.
وأسفرت انتخابات الثامن من شتنبر 2021 عن تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج الاقتراع بـ102 مقعد، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة بـ87 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ81 مقعدا.
وقد بلغ مجموع نفقات المعلنة للأحزاب الثلاثة التي شكلت لاحقا الأغلبية الحكومية، أزيد من 91,5 مليون درهم، أي ما يمثل أكثر من نصف النفقات المصرح بها من قبل الأحزاب الثمانية الأولى الممثلة في مجلس النواب.
ثمن المقعد البرلماني
تصدر حزب “الحمامة” قائمة الأحزاب الأكثر إنفاقا بأكثر من 35,2 مليون درهم، أي حوالي 345 ألف درهم للفوز بكل مقعد نيابي، في حين نجح حزب الاستقلال، رغم أن ميزانية حملته كانت أقل بحوالي 9,1 ملايين درهم، في تحقيق أفضل مردودية انتخابية، إذ لم تتجاوز الكلفة المعلنة للمقعد لديه 322 ألف درهم. أما الأصالة والمعاصرة، الذي أنفق حوالي 30,2 مليون درهم، فقد جاء بمعدل قريب جدا بلغ 347 ألف درهم للمقعد، وهو ما يعني أن فارق إنفاق يقارب خمسة ملايين درهم بينه وبين التجمع الوطني للأحرار لم ينعكس إلا بفارق طفيف في كلفة المقعد.
ومع أن نفقات حزب الحركة الشعبية، لم تتجاوز 10,12 مليون درهم، أي أقل بحوالي 25 مليون درهم عن التجمع الوطني للأحرار، فإن كلفة المقعد الواحد بلغت 349 ألف درهم، وهو معدل يكاد يطابق ما حققته أحزاب الأغلبية.
في المقابل، تبدأ كلفة المقعد في الارتفاع تدريجيا لدى أحزاب أخرى، إذ بلغت نحو 415 ألف درهم لدى الاتحاد الدستوري، و436 ألف درهم لدى التقدم والاشتراكية، قبل أن تصل إلى حوالي 493 ألف درهم لدى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو ما يعني أن المقعد البرلماني كلف هذه الأحزاب ما بين 30 و53 في المائة أكثر مما كفه لدى حزب الاستقلال.
وشكل “البيجيدي” الذي دخل انتخابات 2021 وهو يقود الحكومة المنتهية ولايتها، الاستثناء، إذ أنفق نحو 17,76 مليون درهم، لكنه لم يحصد سوى 13 مقعدا، لترتفع الكلفة الحسابية للمقعد إلى أكثر من 1,36 مليون درهم، أي ما يزيد على أربعة أضعاف كلفة المقعد لدى حزب الاستقلال. ولا يعكس هذا الرقم ارتفاعا غير عادي في الإنفاق، بقدر ما يعكس حجم التراجع الانتخابي الذي عرفه الحزب، بعدما انتقل من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 13 مقعدا فقط سنة 2021.
المال وحده لا يكفي
إذا كانت تكلفة المقعد تكشف كلفة الوصول إلى البرلمان، فإن عدد المقاعد المحققة مقابل كل مليون درهم يكشف أي الأحزاب استطاعت تحقيق أكبر عائد انتخابي من كل درهم أنفقته.
يتصدر حزب الاستقلال هذا المؤشر، بعد نجاحه في حصد أكثر من 3,1 مقاعد مقابل كل مليون درهم أنفقه، متقدما على التجمع الوطني للأحرار (2,9 مقعد) والأصالة والمعاصرة (2,88 مقعد)، فيما جاءت الحركة الشعبية على مسافة قريبة جدا بمعدل 2,87 مقعد لكل مليون درهم. ويعني ذلك أن أربعة أحزاب مختلفة من حيث الحجم والانتشار والموارد المالية حققت مردودية انتخابية متقاربة، رغم الفوارق الكبيرة في حجم إنفاقها.
غير أن هذا التقارب لا يستمر عند جميع الأحزاب. فابتداء من الاتحاد الدستوري، تبدأ مردودية الإنفاق في التراجع، إذ لم يتجاوز متوسط المقاعد المحققة 2,41 مقعد مقابل كل مليون درهم، لينخفض إلى 2,29 مقعد لدى حزب التقدم والاشتراكية، ثم إلى 2,03 مقعد لدى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
ولا تسمح هذه المؤشرات بالقول إن حزبا أدار موارده المالية بكفاءة أكبر من حزب آخر، لكنها تؤكد أن حجم الإنفاق لا يفسر وحده النتائج الانتخابية. فلو كانت العلاقة بين المال والمقاعد علاقة مباشرة، لتصدرت الأحزاب الأكثر إنفاقا هذا المؤشر بفارق واضح، أو لتقاربت مردودية جميع الأحزاب، وهو ما لا تعكسه معطيات انتخابات 2021. وتدفع هذه النتيجة إلى التعامل مع المال باعتباره أحد عناصر المنافسة الانتخابية، لكنه ليس العامل الوحيد المحدد لها، إذ تتداخل معه عوامل أخرى لا تظهر في الحسابات المالية، مثل طبيعة المنافسة داخل الدوائر، وخصائص المرشحين، والسياق السياسي الذي جرى فيه الاقتراع.
الرهان على المترشحين
تظهر الحسابات المالية للأحزاب أن طريقة توزيع الإنفاق بين الدعم المباشر للمترشحين، والطباعة، والإشهار، والتواصل، تعكس أولويات كل حزب في إدارة حملته الانتخابية.
وتظهر المعطيات أن بندا واحدا استحوذ، لدى معظم الأحزاب، على النصيب الأكبر من الإنفاق، هو الدعم المالي الموجه للمترشحين. فقد خصص التجمع الوطني للأحرار نحو 22,9 مليون درهم لهذا البند، أي ما يقارب ثلثي نفقاته الانتخابية، فيما وجه الأصالة والمعاصرة حوالي 18,5 مليون درهم، ورصد حزب الاستقلال نحو 11 مليون درهم، بينما بلغت مخصصات الحركة الشعبية أكثر من 5,1 ملايين درهم. وبذلك، تجاوز الإنفاق على المترشحين، لدى هذه الأحزاب، ما خصص للطباعة والإشهار والتواصل مجتمعة.
وبلغ هذا التوجه أقصاه لدى حزب الاتحاد الدستوري، الذي وجه عمليا كامل ميزانيته الانتخابية، البالغة نحو 7,47 ملايين درهم، إلى الدعم المباشر للمترشحين، دون أن يسجل نفقات ذات وزن مماثل في باقي أبواب الإنفاق.
وتكشف هذه الاختيارات أن الأحزاب لم تعتمد نموذجا واحدا في إدارة حملاتها، بل وزعت استثماراتها بين تقوية حضور المترشحين وتعزيز الصورة البصرية للحزب، بدرجات متفاوتة.
بعد الدعم المباشر للمترشحين، شكلت الطباعة والإشهار ثاني أكبر باب للإنفاق. فقد خصص الأصالة والمعاصرة أكثر من 11 مليون درهم، والاستقلال أكثر من 10,2 ملايين درهم، بينما وزع التقدم والاشتراكية نفقاته بين الطباعة والملصقات والمواد الإشهارية.
ومع اقتراب استحقاقات 2026، لا تبدو الحاجة ملحة فقط إلى تنظيم الإنفاق الانتخابي، بل أيضا إلى تعزيز شفافيته، وتوسيع النقاش حول أثره في تكافؤ الفرص بين المتنافسين. فالسؤال لم يعد يقتصر على من يفوز بالانتخابات؟ بل أصبح أيضا: كيف مولت المنافسة، وهل تكفي القواعد الحالية لضمان نزاهتها؟








