في منطقة كبدانة، كما في عدد من مناطق الريف المغربي،
ارتبط عيد الأضحى بعادات اجتماعية وتراثية ظلت حاضرة في ذاكرة الأجيال لعقود طويلة، ومن بين أبرز هذه العادات ما يعرف محليا باسم “ثاهيضورث”، وهو السجاد التقليدي المصنوع من جلد خروف العيد وصوفه، والذي كان يحظى بمكانة خاصة داخل البيوت الكبدانية.
كانت هذه العادة تبدأ مباشرة بعد ذبح الأضحية، حيث تتولى النساء مهمة المحافظة على جلد الخروف الذي يسمى محليا “ilem “”Eⵍⵎ” وذلك بعناية كبيرة وخبرة متوارثة. ولم يكن جلد الأضحية يعتبر مجرد بقايا مرتبطة بالعيد، بل كان مادة نافعة تحمل قيمة عملية وجمالية داخل البيت التقليدي.
في المرحلة الأولى، يتم تنظيف الجلد ثم يوضع تحت أشعة الشمس لمدة تقارب ثلاثة أيام حتى يجف بشكل تدريجي. وبعد ذلك تبدأ عملية الدباغة التقليدية، حيث تستعمل النساء الملح وحجر الشب وبعض المواد الطبيعية للمساعدة على حفظ الجلد وتليينه وإزالة الشوائب العالقة به.
ثم يوضع الجلد في الماء لفترة معينة حتى يصبح أكثر مرونة، لتبدأ بعدها مراحل الغسل والتنظيف المتكرر. ومع مرور الوقت، يتحول جلد الأضحية إلى قطعة ناعمة بيضاء ذات صوف لين، تستعمل داخل البيت كسجاد للجلوس أو كسجادة للصلاة، ولذلك أطلق عليها اسم”.ⵜⴰⵀⵉⴹⵓⵔⵜ” Thahidurth
وكانت هذه القطعة تعكس روح الاقتصاد المنزلي التقليدي
الذي يعتمد على الاستفادة من مختلف مكونات الأضحية دون إهدار. كما تكشف هذه العادة عن الدور المهم الذي لعبته المرأة الكبدانية في الحفاظ على التراث المحلي، إذ كانت تمتلك معرفة دقيقة بأساليب الدباغة والتنظيف والتجفيف، وهي مهارات انتقلت عبر الأجيال داخل الأسرة والمجتمع.
غير أن هذه العادة بدأت تتراجع بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة، خاصة داخل المدن والحواضر، بسبب تغير أنماط العيش وظهور البدائل الصناعية الحديثة، إضافة إلى اختفاء كثير من الحرف والتقاليد المرتبطة بالحياة القروية.
وهكذا أصبحت “ثاهيضورث” ⵜⴰⵀⵉⴹⵓⵔⵜ اليوم جزءا من الذاكرة الجماعية أكثر من كونها ممارسة يومية كما كانت في السابق. ورغم اندثار هذه العادة في عدد من المناطق، فإن الحديث عنها يظل استحضارا لجانب مهم من التراث الثقافي والاجتماعي بكبدانة، ذلك التراث الذي يعكس بساطة الحياة القديمة وروح التعاون والمحافظة على الموارد داخل المجتمع المحلي.
نورالدين شوقي _ كبدانة •• التاريخ والتراث








