الرئيس الجزائري هواري بومدين :
الغدر في يوم النحر: مأساة إنسانية مكتملة الأركان، 51 عاما على “المسيرة الكحلاء”
أعده للنشر وكتب فقراته الدكتور سدي علي ماءالعينين، أكادير، ماي 2026.
مع تكبيرات عيد الأضحى المبارك، يستحضر المغاربة ومعهم الضمير الحقوقي الدولي واحدة من أبشع محطات التهجير القسري في التاريخ الحديث للمنطقة المغاربية.
إنها ذكرى مرور 51 عاما على ما عرف في الذاكرة الحية بـ”المسيرة الكحلاء” (أو المسيرة السوداء)، وهي العملية الانتقامية الممنهجة التي نفذها نظام الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في دجنبر 1975 ضد مئات الآلاف من المواطنين المغاربة المقيمين بطريقة شرعية في الجزائر.
في الثامن عشر من ديسمبر 1975، الموافق لصبيحة عيد الأضحى (10 ذي الحجة 1395 هـ)، وبينما كانت العائلات تستعد للاحتفال، تحولت أجواء الفرح إلى كابوس مرعب. وتحت ذريعة “المراجعة الإدارية للوثائق”، اقتحمت قوات الأمن والمصالح التابعة للدولة الجزائرية منازل المغاربة، ليتم اقتيادهم بشكل مهين وتعسفي نحو الحدود، مجردين من كل شيء.
”خرجنا بما كان علينا من ثياب، وتركت الأضاحي معلقة في البيوت.. تشتتت العائلات، فصل الآباء عن أبنائهم، وألقي بنا في العراء وسط صقيع الشتاء الشديد”؛ هكذا يلخص الضحايا شهاداتهم عن “مسيرة الدموع”.
لم يكن اختيار رقم المهجرين عفويا في مخيلة صانع القرار بالجزائر آنذاك؛ بل كانت معادلة انتقامية صيغت بدم بارد. فمقابل كل مواطن مغربي حمل مصحفا وغصن زيتون ليخط بيمينه ملحمة “المسيرة الخضراء” المظفرة، كان هنالك سوط يرفع في وجه مواطن مغربي أعزل مقيم بالجزائر ليدفعه قسرا نحو “مسيرة الدموع والسواد”.
أراد النظام الجزائري أن يثأر لاندحار أطروحة الاستعمار في الصحراء، فجعل من أجساد الأبرياء ولقمة عيشهم وتشتيت شملهم وقودا لرد فعل غريب، حول ذنب الانتماء للمغرب إلى تهمة توجب النفي والتهجير الجماعي.
في صبيحة ذلك العيد الحزين، انشق سكون التكبيرات عن غارات تفتقر لأدنى قيم الإنسانية. كان الناس يجرون جرا من دفء بيوتهم ومن أحضان السكينة نحو شاحنات مجهولة المصير. انهمرت دموع الجيران جزائريين ومغاربة، واختلطت بنحيب الأطفال الذين روعوا في أعز مقدساتهم؛ طفولتهم واستقرارهم.
تعالت الصرخات عند عتبات المنازل وهي تشهد على الفراق الأبدي للزيجات المختلطة: طفل يتشبث بقميص والده المغربي المطرود، وأم تجرجر خطى الذهاب وهي تلتفت لتبصر أطفالا من صلبها كتب عليهم البقاء لأن الأمومة غدت في قانون العسكر ذنبا وجنسية.
ولم ترحم القسوة حتى أواصر الدم والجوار التي نسجتها العقود؛ فكل جزائري تحركت في عروقه نخوة الأخوة، أو سولت له نفسه الوفاء والشهامة بأن يصاحب أهله وأصهاره المغاربة إلى الحدود، أو يحتج على ظلمهم، كان يجابه بحديد النظام وناره. صكت في حق الشرفاء تهم “الخيانية العظمى”، ورمي بجيوب المقاومة الإنسانية هذه في غياهب السجون، ليفرض الصمت المطلق على مجتمع حرم حتى من حق إبداء التعاطف مع جاره وأخيه في الدين والدم.
في غضون ساعات قليلة، تحولت الحواشي النابضة بالحياة إلى مسارح للنهب والفوضى. بقيت الأضاحي معلقة في الساحات والبيوت تشهد بدمائها المسفوحة على غدر النحر الثاني؛ نحر كرامة الإنسان. وبمجرد أن أفرغت البيوت قسرا من أصحابها الشرعيين، انقضت فئات ممن نزعت من قلوبهم الرحمة على “الغنيمة الباردة”، فاستبيحت الممتلكات وسلبت الذكريات والأثاث المدخر عبر السنين.
ولم يقف الحد عند السرقة، بل إن منهم من استوطن واحتل تلك المنازل التي ما زالت جدرانها دافئة بأنفاس أهلها المغادرين على عجل، ليبيت الغاصب في فراش المغصوب، في مشهد سريالي يجسد ذروة الفاجعة الإنسانية والمادية.
ولم تقتصر المأساة على الجانب المادي، بل ضربت النسيج الاجتماعي في مقتل؛ إذ لم تشفع حتى “الزيجات المختلطة” (المغربية-الجزائرية) لأصحابها، فتم تمزيق أواصر أسر بأكملها، وترك أفرادها يواجهون مصيرا مجهولا على الحدود الإنسانية بين البلدين.
صبيحة كل عيد نتذكر هذه الواقعة المستوحاة من الفاشية العالمية، لنعلن لأحفادهم هناك وهنا أننا لم ننسهم وأنهم في قلوبنا.








