بقلم – الاستاذ محمد فديس
على الرغم من وفرة الأدبيات التي انصبّت على نقد الحضارة الرقمية وتشريح آثارها النفسية والاجتماعية، إلا أن المكتبة الفكرية لا تزال تفتقر إلى مقاربات فلسفية معمقة تعالج مأزق الهوية والقيم في ظل الهيمنة التكنولوجية؛ وهو ما ولّد فجوة معرفية صريحة، لا سيما في السياق المغربي. وفي هذا الإطار، يأتي مؤلف المفكر المغربي خالد حاجي الهوية والقيم: بين المطلق الشعري والمغلق التكنولوجي كمساهمة نوعية لملء هذا الفراغ، مقدماً طرحا نقدياً يزاوج ببراعة بين التجربة الذاتية والتنظير الفكري الرصين. فأمام اجتياح الشاشات وتحولها الى وسيلة التأثير الأقوى في تشكيل الرأي والذوق وتحديد مفهوم الابداع ومعالمه، خفت صوت النخبة المثقفة، ولم يعد يسمع وسط صخب محتوى التطبيقات التكنولوجية. ولعلّ أدق توصيف لما نعيشه اليوم هو ما عبّر عنه الدكتور خالد حاجي بـ “سطوة التطبيقات التكنولوجية”، في إشارة الى ما يفرضه ذلك من هيمنة ليس فقط على تفاصيل الحياة اليومية بل تجاوز ذلك الى مصادرة ادوات الفكر وتعطيل ملكة الابداع وفصل الانسان عن المكان. وفي ظل انكماش دور المثقف وتهميش صوته يطرح حاجي سؤال: لماذا الكتابة؟ وما الجدوى منها؟ في ظل عجز المثقف مجاراة “صناع المحتوى” في احداث ما يسميه حاجي “الطنين” وشد انتباه عموم الناس. وأمام هذا الواقع المقلق والمجال المغلق في وجه النخبة المثقفة، يراهن خالد حاجي على الجيو- شاعرية كآلية لاعادة الاعتبار لعلاقة الانسان بالمكان. وتخليص منظومة الهوية والقيم من اسر المغلق التيكنولوجي والعبور بها نحو رحابة المطلق الشعري.
أعطاب الحداثة
“استرجاع الحس اللغوي المفقود أمرٌ ضروري لاستعادة الوعي بضرورة العودة إلى الأرض بوصفها المكان الطبيعي لتحقيق الإمكان الذهني السوي”
يستهل حاجي كتابه بتشخيص “أعطاب” الحداثة بتفكيك الخطاب الغربي المهيمن وتقسيمه إلى قسمين؛ أما الأول فيروم العودة إلى الكلمة للاحتفاء بالأرض، ويتزعم هذا التيار -حسب حاجي- المفكر الفرنسي-الاسكتلندي كينيث وايت، الذي يدعو إلى مقاربة “جيو-شاعرية” للخروج من الأزمة الحضارية التي يعيشها العالم عموماً والعالم الغربي بالخصوص. والقسم الثاني الذي لا يتكلم إلا “بلغة” الصورة والمال، ويدعو إلى مزيد من الانغماس في العوالم الصناعية، وتمثله شركات التكنولوجيا الكبرى لتحقيق مزيد من الأرباح.
وبما أن الواقع العربي والإسلامي لا يشكل استثناءً في ظل الهيمنة التكنولوجية، بل على العكس، يبدو المشهد أكثر قتامة بالنظر إلى حالة الاستهلاك المفرط للتطبيقات الرقمية التي اخترقت النسيج الاجتماعي العربي الإسلامي؛ فقد تغلغلت هذه التطبيقات الرقمية لتطال مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، متجاوزة حدود الأسرة لتقتحم فضاءات أخرى كالمدرسة والمعمل وحتى دور العبادة، مما يجعل من “سطوة التكنولوجيا” واقعاً يعيد طرح سؤال الهوية والقيم.
ولعل المتأمل في تمزق علاقة الإنسان بالمكان لا يحتاج إلى دلائل وبراهين؛ فبعدما كانت الجغرافيا بإرثها وروحها هي ما يرسم معالم الهوية، استلبت الخوارزميات التقنية هذا الدور، لتصبح هي القالب الرقمي الذي يصهر هوية الفرد ويعيد رسم معالمها بعيداً عن نبض الأرض واللغة. وفي هذا الصدد، يقترح خالد حاجي الحس الشعري كآلية لإعادة التوازن للإنسان بإعادة ربطه بالأرض، ويلح حاجي على أن: “استرجاع الحس اللغوي المفقود أمرٌ ضروري لاستعادة الوعي بضرورة العودة إلى الأرض بوصفها المكان الطبيعي لتحقيق الإمكان الذهني السوي”
تحيلنا هذه الفكرة إلى هندسة الدارة الكهربائية؛ فبالرغم من تطورها المذهل، تظل في حاجة ماسة إلى سلك أرضي لتفريغ الشحنات الزائدة وامتصاص الصدمات لتحقيق التوازن. وكأن الكاتب يشير إلى أن الإنسان، مهما بلغ من التطور الرقمي، يظل بحاجة إلى العودة إلى الأرض ليس فقط “لتفريغ الشحنات الزائدة”، بل أيضاً ليستمد منها ما يعيد له توازنه النفسي والاجتماعي.
السياسة والجيو – شاعرية.
“لا يأتي الاصلاح من داخل المدينة بوصفها فضاء تحقق ذاتية الانسان الاجتماعي بطبعه، بل من خارجها، من البحر والصحراء والجبل والخلوة والعزلة”
يعرف خالد حاجي السياسة “بفن تدبير العلاقة داخل المنتظم السياسي”، ولعل حالة الارتباك والفوضى والعشوائية التي يعيشها المشهد السياسي في السياق المغربي سواء المحلي او الوطني سببه انفصال السياسي عن الارض والحس الشعري اما تواصلا او تأملا. فعلاقة السياسي بالحس الشعري تكاد تنعدم ويغلب عليها طابع الانغلاق. فالطبيعة –بوصفها فضاء مطلقا- تمنح قاصدها فرصة التخلص من شوائب المدينة واستعادة الحس الشعري وذلك بتجريد الانسان من القابه ومركزه السياسي ومكانته الاجتماعية لتضعه وجها لوجه امام عجزه مقابل قوة المكان والوجود. تاريخيا كان البحر برحابته وهيبته والصحراء بسكونها ورهبتها والجبل بثباته وشموخه ملاذا للحكماء والانبياء لتلقى الوحي والالهام.
ان الرغبة في تحقيق المكاسب السياسية قد تحجب السياسي عن التأمل في الواقع والانغماس في البحث عن سبل التأثير دون التبليغ والتوصيل. وقد ساق حاجي مثالا عن المستشار الالماني هلموت شميث الذي كان يختلي بالشعراء لمدة ثلاثة أيام في السنة حيث ينقطع فيها عن الواقع السياسي بغرض تجديد رؤيته للأشياء وتغيير بلاغته السياسية.
الايكولوجيا كأيديولوجيا
بالرغم من اغراءات الخطاب الايكولوجي وجاذبيته، فانه يطرح العديد من الاشكالات المتعلقة بمصداقيته خصوصا في علاقته بالسياسة والعلم والايكولوجيا النسوية. ففي السياسة يتم توظيف خطاب الايكولوجيا لتبرير التدخل في شؤون الامم كما كان الحال مع قضية حقوق الانسان التي تحولت في بعض السياقات الى أداة للضغط والمساومة. وفي هذا الصدد يؤكد حاجي أن قضية الايكولوجيا خرجت من دائرة الاخلاق لتدخل في دائرة الايديولوجيا. ويضيف حاجي “أن الدفاع عن الارض أصبح يأخذ منحى ايديولوجيا واضحا في السياق الاوربي”. ومن أجل اعادة الخطاب الايكولوجي الى دائرة الاخلاق يستدل حاجي بمشروع كينيث وايت الذي يدعوا الى تجاوز الخطاب السياسي الذي جعل من خطاب الإيكولوجيا برنامجا سياسيا شعبويا يعمل من خلاله منتسبو تيار ‘الخضر’ على بناء خطاب يقوم على اختلاق خصوم للطبيعة، في محاولة لاستمالة الاصوات وتحقيق مكاسب سياسية. والخطاب ‘العلموي’ الذي يزعموا أصحابه ومنتسبوه التوسل بالتقنية “لتنظيم البيئة وتخليصها مما فيها من فساد ينتج عن نمطنا الحضاري”. لكن محدودية هذا الخطاب تتجلى في كونها تطرح بدائل صديقة للبيئة مع “احتفاظها بنفس الترف البشري”. وهنا حسب حاجي “تكمن المشكلة” أي الحفاظ على نفس الترف لكن بطرق صديقة للبيئة ما يتنافى مع نظرية ابن خلدون التي تقول بنهاية العمران كلما تمادى الانسان في التبذير والاسراف.
الاسلام والغرب
تتسم معظم الدراسات التي تتناول علاقات الاسلام والغرب في مجملها بردود الفعل واعادة انتاج اطروحة الصراع الحضاري الذي أسس له صامويل هانتنغتون في كتابه “صراع الحضارات والانسان الاخير”. بعيدا عن هذه السجالات النمطية الضيقة، يشق خالد حاجي مسارا فكريا متفردا في احدى فصول الكتاب. فبدلا من تكريس حالة القطيعة، يمد جسور التواصل من خلال فنون الكلمة بوصفها مخرجا من مأزق الانغلاق المتبادل. وما يميز مشروع حاجي هو اشتغاله “كجغرافي” للفكر حيث يمارس الجولان في خرائط أوربا الفكرية، وهو ادرى بتضاريس الفكر الغربي وعارفا بمنعرجاته وتناقضاته وانحداراته ، لتفكيك البنية التي تكرس الانغلاق وتعيق الانفتاح.
ينطلق المفكر المغربي خالد حاجي في رصد مظاهر انغلاق الثقافة الغربية المادية الصلبة كما يجسده تيار استشراقي جديد معاد للإسلام متمثلا في كتابات لها وزنها وموقعها في خرائط اوروبا الفكرية, وفي هذا الصدد يسوق لنا حاجي نموذجا من كتاب برنارد لويس الذي عنونه ب ” كيف حدث الخطأ؟ الصراع بين الاسلام والحداثة في الشرق الاوسط”. فالكتاب عبارة عن اتهام مباشر للإسلام باعتباره – حسب لويس- متضمنا لجذور الارهاب. يعتقد لويس أن سبب الارهاب هو تخلف المسلمين عن ركب الحداثة بسبب البنية الثقافية في المجتمعات الاسلامية. التي حسب زعمه تعيق الابداع والابتكار. إن خطورة طرح لويس تكمن في مقترحه القائم على ضرورة التدخل لتغيير هذه البنية الثقافية؛ سواء “بتحريض” المسلمين على التخلي عن هويتهم بقوة دفع ذاتية، أو عبر التدخل العسكري الغربي المباشر. فهذا المنطق “الإملائي” هو ما يسعى خالد حاجي لتفكيكه، كونه يقوض سبل الحوار العادل ويشرعن للغطرسة الغربية التي تحول الكلمة إلى أداة للهيمنة بدلاً من أن تكون أداةً للتفاهم.
على سبيل الختم
وفي ختام هذه المقالة، يمكن القول أن العودة الى الطبيعة لاسترجاع “الحس الشعري المفقود” التي يطرحها الكتاب ليست دعوة الى العودة الى حياة البداوة التي نظر لها العديد من الفلاسفة والشعراء الرومنسيون. بل هي دعوة الى “مراحل المعرفية الحسية الاولى” قبل تسلط العقل الذي يورث الاحساس بالاكتفاء ويسد افاق النظر، كما يسوغ كل اشكال الاستبداد والهيمنة”. فالعودة الى الارض والحس الشعري من شأنه أن “يفتح عوالم العقل المغلقة على عوالم الحس المطلقة لفتح عالم الصناعة على الطبيعة أملا في ايقاف مسلسل التدمير لأسباب بقاء الانسان”
يقر حاجي بأن انسان “الحضارة” بلغ ذروة الانفصال عن الطبيعة في زمن الذكاء الاصطناعي، وليس للإنسان أو “الكائن البياني” – كما يسميه حاجي – من حل ان هو اراد الخلاص الا ان “يكثف شعوره بشيئين اثنين: اللغة والارض. فمع هذا الشعور يتحرر من التفكير التقني الضيق “لتنفتح العوالم العقلية المغلقة على المطلق، ويصير بمقدور الانسان التأمل في ملكوت السماوات والارض، هذا التأمل الذي يفضي به الى طلب الحكمة، أي طلب التوفيق بين مقتضيات العقل الجامع- المانع الصانع، ومقتضيات الطبيعة الشاسعة الواسعة. والشعر بهذا الوصف، أي بكونه المكثف لشعور الانسان باللغة والارض. خليق بأن يوصل نداء الارض، موطن وجود الانسان، وأن يوقظ العقل التكنولوجي من غفلته، فيصده عن التمادي في طلب “وجود اخر” يصبغ عليه صفات الكمال والتمام. فالحكمة التي تفيد من الدراسات الحضارية هي أن مع الكمال والتمام انما يكون الدمار ونهاية العمران”.
ونستجمع كلامنا هنا لنقول أنه لا يمكن لمقال واحد أن يحيط بجميع الافكار والنظريات التي يتناولها الكتاب . فقد ضاقت المقالة عن استيعاب رحابة الكتاب. والمقالة ليست سوى نهر صغير يحاول ملامسة امواج بحر شاسع من القضايا المتصلة بالهوية والقيم والحس الشعري والتكنولوجيا التي تناولها الكاتب ببراعة تجمع بين التجربة الذاتية والتنظير الفكري الرصين.









