سعيد قدوري
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، لم يعد انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة “أوبك” مجرد قرار تقني مرتبط بالإنتاج، بل بات يقرأ ضمن رؤية استراتيجية أوسع تتقاطع فيها الجغرافيا بالاقتصاد، ويبرز فيها ميناء الناظور غرب المتوسط كأحد أبرز المفاتيح.
القرار الإماراتي يعكس، في جوهره، رغبة واضحة في التحرر من نظام الحصص الإنتاجية الذي تفرضه المنظمة، وهو النظام الذي لم يعد يتماشى مع الطموحات الإماراتية بعد استثمارات ضخمة رفعت قدراتها الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة. غير أن التحدي الأكبر لم يكن في الإنتاج، بل في كيفية تسويق هذا الفائض، خاصة في ظل التوترات التي تعرفها الممرات البحرية التقليدية.
في هذا السياق، يطفو ميناء الناظور غرب المتوسط على السطح كخيار استراتيجي بامتياز. فالمشروع، الذي يرتقب دخوله حيز الخدمة نهاية سنة 2026، لا يقتصر على كونه منشأة مينائية عادية، بل يمثل منصة طاقية متكاملة، تضم بنية تحتية متطورة لتخزين الغاز الطبيعي بطاقة تصل إلى 5 مليارات متر مكعب، إلى جانب منشآت لمعالجة المحروقات بقدرة تناهز 25 مليون طن سنويا.
هذا التوجه يعكس تحولا عميقا في مراكز تخزين وتوزيع الطاقة، من مناطق تقليدية حساسة مثل مضيق هرمز، إلى فضاءات أكثر استقرارا في قلب البحر الأبيض المتوسط، وعلى مقربة مباشرة من الأسواق الأوروبية. وهنا تبرز أهمية الاستثمارات الإماراتية، المدعومة بتمويلات قوية، في بناء ما يمكن وصفه بـ”خزانات استراتيجية عابرة للحدود”.
ومع اقتراب موعد تشغيل الميناء، تتضح ملامح الرهان الإماراتي بشكل أكبر، حيث تسعى أبوظبي إلى الانتقال من مجرد دولة منتجة للنفط والغاز، إلى فاعل دولي يتحكم في سلاسل التوزيع والتخزين، مستفيدة من موقع المغرب الجغرافي كبوابة نحو أوروبا وإفريقيا.
غير أن هذا التحول لا يقتصر على الإمارات وحدها، إذ تدخل الولايات المتحدة بدورها على خط هذه المعادلة، في إطار سعيها لتأمين إمدادات مستقرة من الغاز، والبحث عن مسارات بديلة وآمنة بعيدا عن مناطق التوتر، ما يعزز من القيمة الجيوسياسية لميناء الناظور.
في المحصلة، يبدو أن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميقة في خريطة الطاقة، حيث تتحول بعض الموانئ، وفي مقدمتها ميناء الناظور، إلى مراكز لوجستية كبرى ضمن نظام “جيواقتصادي” جديد، يقوم على تنويع مسارات التزويد وتعزيز السيادة الطاقية.
وبين رهانات الاستثمار، وتحولات الجغرافيا السياسية، يبرز سؤال جوهري: هل يصبح الناظور بوابة جديدة للتحكم في تدفقات الطاقة نحو أوروبا، في مرحلة تتغير فيها قواعد اللعبة العالمية؟








