بسم الله الرحمن الرحيم.
وجدانيات الأستاذ الحسين أقليد : رحيل السي مولود شوراق، بعد أن روى القلوب و العقول عطاء، و ما كَلَّ و لا شاق .
وداعًا أيها الصديق الطيب، أيها النقي السريرة، الأبي النفس، الفصيح اللسان…
وداعًا يا من كنتَ قنديلًا لا يخبو، وشجرة لا تجف أغصانها، و نهرًا لا ينضب عطاؤه، ذلك أنني حين أحاول أن أرثيك بالكلمات تقف خجلى أمام جلال ما كنتَ عليه ، لكن سيرة العظماء لا تموت، و الذكر الطيب يظل نَدِيَّ الأرجاء، عبق المكنون .
لقد كنتَ في مدينة الحسيمة منارة تتلألأ في سماء اللغة العربية، جلستَ إلى تلاميذك تحسن نسج الكلمات كما تحسن نسج العلاقات، كانت قاعات الدرس تحيا بحضور صوتك الرخيم، و عقلك النير، الذي كان ينير دروب التلاميذ بالمعرفة، و تغذي عقولهم بشغف العلم .
لم تكن السي مولود مجرد أستاذ، بل كنتَ صديقًا حقيقيا لزملائك، تشاركهم همومهم ، و تسهم في رفع معنوياتهم، كانت صداقاتك قائمة على الصدق و التعاون ، كنتَ بين زملائك كالنخلة الباسقة؛ تمد الظل، و تؤتي الثمر، ولا تؤذي أحدًا بجذعها ، نسجت علاقات الصداقة على منوال نادر في زماننا، قائمة على الصدق الناصع، و التعاون الخالص،لم تكن في مجلس الأساتذة متباهيًا ، و لا في غيابهم مُغْتَابًا. كنتَ ـ ببساطة ـ أخًا قبل أن تكون زميلًا، يتسابقون إلى محبتك، و يتبارون في الثناء عليك،لأن طيبتك كانت صافية كعين ماء في جبال الريف.
ثم كانت زايو، تلك المدينة التي عادت لتحتضنك، فأحببتها فأحبتك ، حين انتقلت إليها حارسًا عامًا بثانوية حسان بن ثابت التأهيلية، تفانيت في عملك الإداري، حتى صار مكتبك محجًا للجميع: تلميذ خائف يبحث عن الأمان ، و أستاذ مستفسريطلب الرأي، و ولي أمر محتار يريد التوجيه، كان التلاميذ يحبونك حبا لا يصطنع ، لأنك كنتَ تنزل إلى حدائقهم الصغيرة، و تشعر بآلامهم ، حسن تعاملك مع الجميع لم يكن تكتيكا إداريا، بل كان مرآة لروحك الكبيرة .
و حين وُضعت الثقة على كاهلك مديرًا لإعدادية علال الفاسي1 ، لم تتحول إلى سلطان متجبر، و لا إلى قائد متسلط ، لا … لقد أتيتَ إلى الإدارة بفلسفة المجددين ؛ إشراك الجميع في التسيير، جعل القرار ثمرة تشاور، و النقد مفتاحًا للتطوير لا سلاحًا للإقصاء، بعيدًا عن كل استبداد، بعيدا عن كل تكبر، جعلتَ من الإعدادية أسرة كبيرة، و من المدرسين شركاء في الرؤية، فأصبحت في يدك واحة إنسانية، يتعلم فيها الجميع معنى العدل و الإنصاف.
و هذا الكرم، و هذا النبل، متحتهما من معدنك الأصيل ؛ فأنت نَبْتُ أسرة عريقة فاضلة بزايو: أسرة شوراق الكبدانية الأمازيغية التي تغار على هويتها كما يغار النسر على عشه ، و تحب العلم حبًّا يجعلها تتفانى في طلبه ، و تؤمن بالله إيمانًا راسخًا يدفعها إلى بذل الغالي و النفيس في نصرة دينها . تلك الأسرة التي ربتك على المروءة، و أرضعتك حب المعرفة ، فصرتَ تحمل في عروقك دماء أجداد كانوا فرسانًا على متن التاريخ ، و علماء في محاريب الثقافة .
و في منزلك كنتَ الأب الرؤوف ، و الأب الحاني، ربيتَ فلذات كبدك تربية حسنة ؛ لا تعتمد على القهر و العقاب ، لا بل عل التشجيع الدائم لطلب العلم، و على توفير كل متطلبات الحياة السعيدة ، و لكن أعظم ما وهبته لهم – يا صديقي – هو ذلك الحب الجارف ، ذلك الحضن الدافئ الذي لا يضاهيه حضن ، كم كانوا سيشعرون بالأمان بوجودك ، و كم كنتَ تزرع في قلوبهم الثقة بأنهم قادرون على تغيير العالم، إن أولادك – و إن كبروا- سيظلون يتذكرون طفلا كبيرا يلعب معهم و يضحك، و أبًا عظيمًا يوجه و لا يجرح.
و مع كل هذه المناقب العالية ، لم تخل حياتك من محن و ابتلاءات ، أتعلم ما سر صمودك؟ لقد كنت تؤمن إيمانًا عميقًا بأن ما أصابك قضاء الله و قدره ، كنت تصبر صبر المؤمن العارف ، و تذعن لقضاء الله و قدره ، كنتَ تقول بصمتك الحكيم:( إنها ابتلاءات، و الأجر على قدر البلاء) ، ولكم رددت قول بدر شاكر السياب :
لك الحمد مهما استطال البلاء
و مهما استعذب الألم ،
لك الحمدُ، إنّ الرزايا عطاء
و إن المصيباتِ بعض الكرم.
ألم تعطيني أنتَ هذا الظلام؟
و أعطيتني أنت هذا السحر؟
فهل تشكر الأرضُ قطر المطر
و تغضب إن لم يجدها الغمام؟
فكنتَ – و الله – مثلًا للرجل الذي لا تهزه العواصف، لأنه يعلم أن بعد العسر يسرًا .
لستُ أنسى ذلك الحفل المهيب الذي أقيم لك بمناسبة تقاعدك ، يا له من يوم عظيم !يوم أبرز حب الجميع لك، و صدق طويتك، و صفاء سريرتك ، كان الحاضرون يتسابقون إلى مصافحتك، و إلى شكرك ، و قلوب تخفق بحبك… هل رأيتَ كل ذلك يا السي مولود؟ هل أحسستَ بتلك الموجة الهائلة من الود الخالص التي اجتاحت القاعة؟ لقد كان تكريمًا نادرًا- لا لشيء- إلا لأنك ببساطة كنت نادرًا .
و لم تكن تلك الهموم الإدارية و التعليمية لتحجب عنك هموم أمتك و قضايا وطنك ، كنتَ المثقف العضوي، المثقف الملتزم الذي لا يكتفي بالكتب و المقالات ، و موقفك من قضايا زايو واضح لا يلتبس، تجدُك في مقدمة المطالبين بفتح مستشفى القرب بزايو،تجدك مناصرًا للقضية الفلسطينية .
أما أنا ، يا صديقي، فلي معك نصيب آخر؛ لقد جمعتني بك صداقة متينة، لم تكن يومًا سطحية و لا وقتية، تلك الصداقة التي أظهرت لي -بعد طول اختبار-أنك إنسان طيب حتى النخاع، لقد رأيت فيك الرقة و العنفوان معًا؛ لا تقبل أن تُظلم قيد أنملة، و لا أن يمس أحد كرامتك، أنت الأبي الذي تمتنع نفسه عن الدنايا، صاحب عزة النفس التي لا تعرف الانحناء إلا لله،
و فصاحة اللسان كانت غريزة فيك ، تمتلك ناصية اللغة العربية كما يمتلك الفارس جواده، كنتً خطيبًا مفوهًا، تأسر القلوب قبل الآذان، و كلمتك في حفل تكريمي بمناسبة تقاعدي أثرت في قلبي و كياني تأثيرًا حميدًا، و سأرفق هذه الوجدانية بمقتطف منها لعلك تسمعه الآن في جنتك، و تبتسم ابتسامتك الأبدية.
و أتذكر- و يا ليتني لا أتذكر- المرة الأخيرة التي زرتك فيها في منزلك، و قد أصبحت طريح الفراش، تنظر إلي بنظرتك الحانية، بعد أيام قليلة جاءني الخبر المفاجئ، انتقلتَ إلى رحمة الله.
فاللهم اغفر للسي مولود شوراق، و ارحمه برحمتك الواسعة ، اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، و أهلا خيرًا من أهله، و أدخله الجنة مع من حسنت نياتهم و أعمالهم، اللهم ألهم أهله و ذويه الصبر و السلوان .
أما نحن يا صديقي ، فسنظل نذكرك في كل درس نلقيه ، و في كل حفل نقيمه ، وداعأ يا أبا النبل و الشهامة ، وداعا يا صديقي العزيز، وداعًا إلى أن نلقاك في جنة عرضها السماوات و الأرض.
رحمك الله رحمة واسعة، و أسكنك فسيح جناته، و ألهمنا جميعًا الصبر و الرضا بقضائه .
كتبها صديقك الذي لا ينساك ؛ الأستاذ الحسين أقليد
في زايو، بتاريخ : 3 ماي 2026 على الساعة : 18:45 .
و السلام ختام .









اللهم جدد عليه الرحمات واجعله من اهل الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
إنا لله وإنا اليه راجعون رحلت يا أستاذنا وابو تلاميذة زايو كله كنت نقيا تقيا رسولا فراقك صعب يا سي مولود نعم الأصل والمنبت كنت ذلك القنديل الذي يضيء الثانوية وذهبت الى اعدادية كنت ابأ رؤوفا حنونا فقدناك
الله يرحمك وينور قبرك ويجعله روضة من رياض الجنة
زايو اصبحت يتيمة بعد فقدانك .كل يوم نودع صديق عزيز علينا
اسي مولود غيابك إن غبت جسدا فلن تغب علينا روحا وفكرا
اللهم ارحمه واغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة
اللهم جدد عليه الرحلات، واجعله من أهل الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
أيها الصديق العزيز والغالي شوراق مولود، رحمة الله عليك، لقد كنت نعم الرفيق في الدنيا، فنسأل الله أن يجعلك مع من أحببت في الآخرة، وأن يسكنك فسيح جناته مع الذين أنعم عليهم. إنا لله وإنا إليه راجعون.
الاستاذ مولود انسان فاضل وخلوق وجار عزيز علينا رحمه الله رحمة واسعة والحقه بالصالحين والشهداء
أسأل الله العلي القدير أن يتغمّد أستاذي رحمه الله بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويجعله من أهل المغفرة والرضوان، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.