أعادت أحداث الشغب الواسعة التي أعقبت مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، برسم الجولة السابعة عشرة من البطولة الاحترافية المغربية، ملف العنف داخل الملاعب إلى واجهة النقاش، بعدما تحولت مواجهة كروية كانت يفترض أن تبقى في حدود التنافس الرياضي إلى مشاهد فوضى واشتباكات أثارت موجة استياء واسعة، وطرحت من جديد أسئلة مرتبطة بأمن المنشآت الرياضية، ومسؤولية مختلف المتدخلين، ومدى قدرة الكرة الوطنية على القطع مع هذه السلوكيات في مرحلة يراهن فيها المغرب على تنظيم تظاهرات رياضية كبرى خلال السنوات المقبلة.
المباراة التي احتضنها المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط أول أمس الخميس الماضي، وانتهت بفوز الجيش الملكي بهدفين مقابل هدف واحد، لم تستمر أصداؤها داخل المستطيل الأخضر طويلا، إذ سرعان ما طغت صور العنف والتخريب على نتيجة اللقاء، حيث تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة أظهرت بداية توتر بين جماهير الفريقين داخل المدرجات، انطلق بمناوشات لفظية قبل أن يتطور إلى تبادل للرشق بقنينات المياه ومقذوفات مختلفة، ثم إلى مواجهات مباشرة بعد تحطيم الحاجز الفاصل بين الجانبين.
وتوثق المقاطع المتداولة لامتداد موجة العنف إلى مرافق أخرى داخل الملعب، بما فيها الفضاءات المخصصة للصحافة والإعلام، حيث خَلفت خسائر مادية شملت تجهيزات تقنية وشاشات تعرضت للتحطيم وسط أجواء من الفوضى والارتباك، كما تعرض عدد من المهنيين ورجال أمن لمضايقات واعتداءات خلال تلك اللحظات المتوترة، قبل أن تتدخل القوات العمومية بشكل عاجل لتطويق الوضع، واستعادة السيطرة، ثم الشروع في إخلاء المدرجات وتأمين محيط المركب.
وأعادت هذه الأحداث النقاش حول محدودية المقاربة التقليدية في معالجة ظاهرة الشغب الرياضي، إذ أن الاقتصار على التدخلات الأمنية بعد اندلاع الأحداث لم يعد كافيا، في ظل الحاجة إلى رؤية استباقية تشمل التنظيم، والتأطير، والتواصل مع الجماهير، وتفعيل أدوار الأندية في التحسيس والتهدئة، حيث أن العنف في الملاعب لا يولد لحظة المباراة فقط، بل غالبا ما تسبقه مؤشرات توتر في الفضاء الرقمي، وخطابات تعبئة متشنجة، وتراكمات سابقة بين بعض الفصائل المشجعة.
كما يبرز في هذا السياق سؤال مسؤولية الأندية، ليس فقط من زاوية النتائج الرياضية، بل أيضا من حيث علاقتها بجماهيرها وقدرتها على التأثير الإيجابي في سلوك المناصرين، فالأندية الكبرى تتوفر على قواعد جماهيرية واسعة، ما يجعل خطابها الرسمي، ومواقفها قبل المباريات الحساسة، وآليات تواصلها مع الأنصار، عناصر مؤثرة في تهدئة الأجواء أو تركها مفتوحة على احتمالات الاحتقان.
ومن بين النقاط التي أعادتها المشاهد المؤسفة بقوة إلى النقاش كذلك، وضعية مجموعات “الألتراس”، التي تشكل جزءا من المشهد الكروي المغربي بما تحمله من طاقة تشجيعية وتنظيمية، لكنها تتهم في بعض المناسبات بالمساهمة في رفع منسوب التوتر أو الانخراط في صدامات تتجاوز الإطار الرياضي، حيث يرى متابعون أن خطورة المرحلة تفرض فتح نقاش جدي حول سبل إعادة تقويم هذا الإطار التشجيعي، بما في ذلك إمكانية تعليق بعض الأنشطة المرتبطة بهذه المجموعات بشكل مؤقت.
وتطرح الأحداث أيضا مسألة العقوبات الممكنة، سواء في حق المتورطين المباشرين أو على المستوى التنظيمي، فبين من يدعو إلى مباريات دون جمهور، وغرامات مالية مشددة، ومنع تنقل الجماهير في المباريات عالية المخاطر، وتحميل المسؤوليات للأندية المنظمة، يبرز اتجاه يعتبر أن الردع الحقيقي لا يتحقق فقط بالعقوبة، بل بربطها بإصلاحات عملية تمنع تكرار السيناريو نفسه.
وتكتسي هذه الأحداث حساسية أكبر لأنها جرت داخل ملعب الأمير مولاي عبد الله، أحد أبرز المنشآت الرياضية التي خضعت لأشغال تطوير وتأهيل في إطار استعدادات المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 بشكل مشترك، حيث أن صور التخريب والعنف التي خرجت من المدرجات اعتبرها كثيرون مسيئة لصورة كرة القدم الوطنية، ورسالة سلبية لا تنسجم مع الدينامية التنظيمية والاستثمارية التي يقودها المغرب في المجال الرياضي.
وفي أول رد قضائي على هذه الوقائع، أمرت النيابة العامة بالرباط، صباح اليوم الجمعة فاتح ماي 2026، بوضع 136 شخصا تحت تدابير الحراسة النظرية، من بينهم حدثان تم الاحتفاظ بهما وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل، وذلك على خلفية الأفعال المرتبطة بأعمال الشغب التي تلت المباراة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المساطر القضائية الجارية، تبدو أحداث كلاسيكو الجيش الملكي والرجاء بمثابة إنذار جديد للفاعلين الرياضيين والمؤسسات المعنية، مفاده أن نجاح المشروع الرياضي المغربي يمر أيضا عبر كسب معركة الانضباط داخل المدرجات، وتجفيف منابع العنف، وترسيخ ثقافة التشجيع المسؤول، حتى تبقى المنافسة في حدود الشغف الرياضي لا خارجها.








