بقلم: عصام لحسيني
مقدمة
يُعدّ مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي محطة مفصلية في مسار إصلاح الجامعة المغربية. غير أن مقاربته بوصفه مجرد تعديل قانوني تقني تظل قاصرة عن استيعاب دلالاته العميقة، إذ يعكس هذا المشروع تحولات بنيوية تمس طبيعة الدولة، ووظيفة الجامعة، وأنماط إنتاج المعرفة. ومن ثم، تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذا المشروع من منظور سوسيولوجي-سياسي، عبر استحضار مفاهيم الحقل، والسلطة، وإعادة الإنتاج الاجتماعي، لفهم رهاناته وآثاره المحتملة.
أولاً: الإطار النظري – الجامعة كحقل اجتماعي
ينطلق التحليل من تصور بيير بورديو للجامعة باعتبارها “حقلاً (champ)” يتحدد من خلال صراع الفاعلين حول أشكال الرأسمال المختلفة (الثقافي، الرمزي، المؤسساتي). فالحقل الجامعي ليس فضاءً محايداً، بل مجال تتقاطع فيه رهانات الدولة والسوق والنخب الأكاديمية.
في هذا السياق، يُفهم الإصلاح القانوني بوصفه إعادة تنظيم لموازين القوى داخل الحقل، وليس مجرد استجابة تقنية لمشكلات التدبير. كما أن مفهوم “إعادة الإنتاج” يسمح بفهم كيف يمكن للسياسات التعليمية أن تساهم في إعادة إنتاج البنيات الاجتماعية القائمة، بدل تقويضها.
ينطلق تحليل الجامعة المغربية كحقل اجتماعي، وفق تصور بيير بورديو، من كونها فضاءً للصراع حول الرأسمال الثقافي والرمزي. ويؤكد الواقع الأمبريقي هذا الطرح، حيث يشهد التعليم العالي في المغرب تفاوتاً واضحاً في الولوج والنجاح.
فحسب معطيات وزارة التعليم العالي، يتجاوز عدد الطلبة في الجامعات العمومية مليون طالب، مع نسب اكتظاظ مرتفعة خصوصاً في الكليات ذات الاستقطاب المفتوح. كما تُظهر تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين أن نسب الهدر الجامعي خلال السنوات الأولى تبقى مرتفعة، ما يعكس اختلالاً في توزيع الرأسمال الثقافي بين الطلبة، ويؤكد أن الجامعة لا تعمل فقط كأداة للترقي الاجتماعي، بل أيضاً كآلية لإعادة إنتاج الفوارق.
ثانياً: مشروع القانون 59.24 في سياق تحولات الدولة
يندرج المشروع ضمن تحولات أوسع تعرفها الدولة المغربية، تتجلى في الانتقال من نموذج “الدولة الاجتماعية” إلى نموذج “الدولة التنظيمية”، حيث تتراجع الوظائف المباشرة للدولة لصالح أدوار الضبط والتأطير.
يمكن قراءة هذا التحول في ضوء تحليلات ميشيل فوكو حول “الحكومية” (governmentality)، التي تشير إلى أن السلطة الحديثة لا تمارس فقط عبر المؤسسات القسرية، بل عبر آليات التدبير، والمعايير، والتقنيات التي تُعيد تشكيل سلوك الفاعلين. وفي هذا الإطار، يصبح مشروع القانون أداة لإعادة توجيه الجامعة وفق عقلانية جديدة قائمة على الأداء والنجاعة.
تتجلى تحولات الدولة نحو نموذج “الدولة التنظيمية” في تراجع نسبة التمويل العمومي مقارنة بتزايد الطلب الاجتماعي على التعليم العالي. إذ تشير بيانات الميزانية إلى أن الإنفاق العمومي على الطالب لا يواكب الارتفاع الكبير في أعداد المسجلين.
في المقابل، تم تسجيل توسع ملحوظ في مؤسسات التعليم العالي الخاص خلال العقد الأخير، خاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط. هذا التوسع يعكس توجهاً عملياً نحو إشراك السوق في تقديم خدمات التعليم، وهو ما ينسجم مع تحليل ميشيل فوكو حول انتقال الدولة إلى أنماط حكم غير مباشرة.
ثالثًا: الحكامة وإعادة توزيع السلطة داخل الجامعة
من بين أبرز مقتضيات المشروع إحداث آليات جديدة للحكامة، من ضمنها “مجلس الأمناء”، الذي يُفترض أن يضطلع بوظائف استراتيجية. غير أن هذا التحول يثير إشكالية إعادة توزيع السلطة داخل الحقل الجامعي.
فمن جهة، يُمكن النظر إلى هذه الآليات كوسيلة لتعزيز التنسيق الاستراتيجي وتحسين الأداء المؤسسي. ومن جهة أخرى، قد تُفضي إلى تقليص دور الهيئات التمثيلية المنتخبة، وتعزيز الطابع التكنوقراطي للقرار. وهو ما يعكس انتقالاً من نموذج ديمقراطي تشاركي إلى نموذج تدبيري قائم على الكفاءة التقنية.
على المستوى الأمبريقي، تُظهر تقارير التفتيش والتقييم وجود اختلالات في حكامة الجامعات، من حيث ضعف التنسيق، وبطء اتخاذ القرار، وتداخل الصلاحيات. غير أن الحلول المقترحة في مشروع القانون، مثل إحداث “مجلس الأمناء”، تطرح تساؤلات حول طبيعة الفاعلين الذين سيسيطرون على هذه الهيئات.
وتُبرز تجارب سابقة في إصلاحات مماثلة أن إدخال فاعلين اقتصاديين في تدبير المؤسسات التعليمية يؤدي غالباً إلى توجيه الأولويات نحو التخصصات ذات العائد الاقتصادي المرتفع، مثل الهندسة والتدبير، على حساب العلوم الإنسانية.
رابعاً: نحو “تسليع” التعليم العالي
يبرز في المشروع توجه واضح نحو تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وتنويع مصادر التمويل، وهو ما يمكن تأطيره ضمن صعود العقلانية النيوليبرالية في تدبير السياسات العمومية.
في هذا السياق، تتحول الجامعة إلى فاعل اقتصادي مطالب بإثبات مردوديته، وتُقاس جودة أدائه بمدى اندماجه في سوق الشغل. غير أن هذا التحول يطرح إشكالات متعددة، من بينها:
• خطر تعميق الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى تعليم عالي ذي جودة.
• تهميش التخصصات غير المرتبطة مباشرة بالسوق.
• تقليص الوظيفة النقدية للمعرفة.
وهي كلها عناصر تتقاطع مع تحليل بورديو حول دور التعليم في إعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية.
تشير المعطيات إلى ارتفاع كلفة الدراسة في مؤسسات التعليم العالي الخاص، حيث قد تصل الرسوم السنوية في بعض المدارس إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة. في المقابل، تعاني الجامعات العمومية من محدودية الموارد، ما يؤثر على جودة التأطير والبنيات التحتية.
كما تُظهر الإحصائيات تفاوتاً في فرص الإدماج المهني بين خريجي المؤسسات الخاصة والعمومية، حيث يحظى خريجو بعض المدارس الخاصة بفرص أكبر في سوق الشغل. هذا الواقع يعزز فرضية تشكل نظام تعليمي مزدوج، ويؤكد أطروحة بورديو حول إعادة إنتاج اللامساواة.
خامساً: تراجع الوظيفة النقدية للجامعة
تاريخياً، اضطلعت الجامعة بوظيفة نقدية أساسية، تمثلت في إنتاج المعرفة المستقلة، وتكوين نخب قادرة على مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي. غير أن ربط التعليم العالي بمنطق السوق يهدد هذه الوظيفة، من خلال إخضاع المعرفة لمعايير النجاعة الاقتصادية.
يمكن في هذا السياق استحضار تصور أنطونيو غرامشي للمثقف، حيث يميز بين “المثقف التقليدي” و”المثقف العضوي”. فحين تُخضع الجامعة لمنطق السوق، يُخشى أن تتحول إلى فضاء لإنتاج مثقفين عضويين يخدمون النظام القائم، بدل أن يكونوا قوة نقدية مستقلة.
على المستوى البيداغوجي، يُلاحظ تراجع الإقبال على التخصصات الأدبية والفلسفية داخل الجامعات المغربية، مقابل تزايد الطلب على التخصصات التقنية والمهنية. هذا التحول يعكس تغيراً في تمثلات الطلبة لقيمة المعرفة، حيث أصبحت مرتبطة أساساً بفرص الشغل.
كما أن تمويل البحث العلمي في المغرب يظل محدوداً (أقل من 1% من الناتج الداخلي الخام)، مع تركيز ملحوظ على المشاريع ذات الطابع التطبيقي، وهو ما يؤثر على إنتاج المعرفة النقدية.
سادساً: العدالة الاجتماعية وإشكالية تكافؤ الفرص
يطرح المشروع سؤالاً مركزياً يتعلق بمدى قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية. فبينما يُقدم كآلية لتحسين جودة التعليم، قد يؤدي في المقابل إلى تعميق الفوارق، إذا ما تم تفعيل مقتضياته في غياب ضمانات قوية لتكافؤ الفرص.
وفي هذا الإطار، يصبح التعليم العالي مجالاً لإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية، حيث تستفيد الفئات الميسورة من المسارات ذات الجودة العالية، بينما تظل الفئات الهشة محصورة في تعليم عمومي يعاني من ضعف الموارد.
تُظهر البيانات أن الولوج إلى التعليم العالي لا يزال مرتبطاً بشكل كبير بالخلفية الاجتماعية. فالطلبة القادمون من أوساط قروية أو فقيرة يواجهون صعوبات أكبر في الاستمرار
والنجاح، بسبب عوامل مثل ضعف التكوين الأساسي، والهشاشة الاقتصادية، ومحدودية الدعم.
كما أن التفاوت المجالي واضح، حيث تتركز المؤسسات ذات الجودة العالية في المدن الكبرى، مما يفرض على الطلبة من المناطق الهامشية تكاليف إضافية (السكن، النقل)، ويحدّ من تكافؤ الفرص.
سابعاً: البعد الرمزي للجامعة وتحول قيمها
لا يقتصر التحول الذي يحمله مشروع القانون 59.24 على الجوانب المؤسساتية والاقتصادية، بل يمتد إلى البعد الرمزي للجامعة. فالجامعة ليست فقط فضاءً للتكوين، بل مؤسسة تنتج قيماً ومعاني مرتبطة بالمعرفة، والجدارة، والاستحقاق.
غير أن إدماج منطق السوق يعيد تعريف هذه القيم، حيث يتم استبدال “المعرفة لذاتها” بـ”المعرفة النافعة”، و”التفكير النقدي” بـ “الكفاءة التشغيلية”. هذا التحول يؤدي إلى إعادة تشكيل تمثلات الطلبة والأساتذة حول معنى النجاح الأكاديمي، ويُضعف البعد الإنساني للتعليم.
تُظهر التحولات الجارية داخل الجامعة المغربية تغيراً ملموساً في منظومة القيم المرتبطة بالتعليم العالي. فوفق تقارير ميدانية واستطلاعات طلابية، لم تعد مفاهيم مثل “التفوق العلمي” أو “الإنتاج الفكري” هي المحدد الأساسي للنجاح، بل أصبحت معايير مثل قابلية التوظيف وسرعة الاندماج في سوق الشغل هي المهيمنة.
كما يُلاحظ تراجع الإقبال على الأنشطة الثقافية والفكرية داخل الحرم الجامعي، مقابل تزايد الاهتمام بالتكوينات المهنية القصيرة والشهادات التطبيقية. هذا التحول يعكس انتقالاً فعلياً في الرأسمال الرمزي للجامعة، حيث تفقد المعرفة قيمتها الذاتية لصالح قيم نفعية، وهو ما يعزز الطرح النظري المرتبط بتغلغل العقلانية السوقية داخل الحقل الأكاديمي.
ثامناً: إعادة تشكيل هوية الأستاذ الجامعي
في ظل التحولات التي يقترحها المشروع، لم يعد الأستاذ الجامعي مجرد منتج للمعرفة وفاعل تربوي، بل أصبح مطالباً بأدوار جديدة: باحث ممول، ومدبر مشاريع، وشريك اقتصادي. هذا التحول يعكس انتقالاً من نموذج “الأستاذ-المثقف” إلى نموذج “الأستاذ-الخبير”.
ويمكن فهم هذا التحول في ضوء ما يسميه فوكو بـ “إنتاج الذوات”، حيث لا تكتفي السلطة بتنظيم المؤسسات، بل تعمل على إعادة تشكيل هويات الفاعلين داخلها. وهكذا، يتم دفع الأستاذ إلى تبني قيم السوق (الإنتاجية، التنافسية، التمويل) كجزء من هويته المهنية.
تكشف المعطيات المهنية عن تحولات عميقة في هوية الأستاذ الجامعي بالمغرب. فبالإضافة إلى مهامه التقليدية في التدريس والبحث، أصبح مطالباً بإنتاج مشاريع ممولة، والنشر في مجلات مصنفة، والانخراط في شراكات مؤسساتية.
وتُظهر بعض الدراسات أن عدداً متزايداً من الأساتذة يواجه صعوبات في التوفيق بين متطلبات التدريس المكثف (خاصة في الكليات المكتظة) ومتطلبات البحث العلمي. كما أن ضعف التمويل العمومي يدفع بعضهم إلى البحث عن مصادر تمويل خارجية، ما قد يؤثر على استقلالية البحث.
هذه المعطيات تعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج “الأستاذ الباحث” إلى نموذج “الأستاذ المنتج”، حيث تُقاس القيمة الأكاديمية بمؤشرات كمية (عدد المنشورات، المشاريع، التمويلات).
تاسعاً: الطلبة بين التكوين والتسليع
يمس مشروع القانون أيضاً موقع الطالب داخل الجامعة. فبدل اعتباره فاعلاً في العملية التعليمية وشريكاً في إنتاج المعرفة، يتم التعامل معه بشكل متزايد كـ “مستفيد” أو حتى “زبون” داخل منظومة تعليمية.
هذا التحول ينعكس على طبيعة العلاقة البيداغوجية، حيث تتراجع الأبعاد التشاركية والنقدية، لصالح علاقة قائمة على تقديم خدمة تعليمية. كما يؤدي إلى إعادة تشكيل تطلعات الطلبة، بحيث يصبح الهدف الأساسي هو الاندماج في سوق الشغل، لا تطوير الوعي النقدي.
تؤكد المعطيات الميدانية أن سلوك الطلبة داخل الجامعة يعرف تحولات ملحوظة. فاختيار التخصصات أصبح موجهاً بدرجة كبيرة باعتبارات سوق الشغل، حيث تشهد مسالك مثل الإعلاميات، والتدبير، والهندسة إقبالاً متزايداً، مقابل تراجع في الشعب الإنسانية.
كما تُظهر الإحصائيات ارتفاع معدلات العمل الجزئي لدى الطلبة، خاصة في المدن الكبرى، ما يعكس ضغطاً اقتصادياً يؤثر على مسارهم الدراسي. إضافة إلى ذلك، تسجل نسب انقطاع مرتفعة في السنوات الأولى، وهو ما يرتبط بضعف التوجيه، وصعوبة الاندماج في النظام الجامعي.
هذه المؤشرات تعزز فكرة تحول الطالب إلى فاعل يسعى لتحقيق عائد اقتصادي من تعليمه، أكثر من كونه منخرطاً في مشروع معرفي طويل المدى.
عاشراً: الجامعة والمجال العمومي
تشكل الجامعة تقليدياً أحد أهم مكونات المجال العمومي، حيث يتم إنتاج النقاشات الفكرية والسياسية. غير أن إخضاعها لمنطق التدبير التقني قد يؤدي إلى تقليص هذا الدور.
في هذا السياق، يمكن القول إن مشروع القانون 59.24 يندرج ضمن مسار أوسع يتمثل في “تقننة” القضايا العمومية، أي تحويلها من مواضيع للنقاش السياسي إلى مسائل تقنية تُدار من قبل خبراء. وهو ما يحدّ من إمكانيات النقاش الديمقراطي داخل الجامعة.
على مستوى علاقتها بالمجال العمومي، يُلاحظ تراجع حضور الجامعة كفضاء للنقاش العمومي. فبالمقارنة مع فترات سابقة، تقلصت الأنشطة الفكرية والسياسية داخل الجامعات، سواء بسبب القيود التنظيمية أو تغير اهتمامات الطلبة.
كما أن الإنتاج الأكاديمي في العلوم الاجتماعية، رغم أهميته، يظل محدود التأثير في النقاش العمومي وصنع السياسات. وتشير تقارير إلى ضعف الربط بين البحث الجامعي وصناعة القرار، حيث نادراً ما يتم توظيف نتائج الدراسات الأكاديمية في السياسات العمومية.
هذا الوضع يعكس نوعاً من “عزل” الجامعة عن محيطها المجتمعي، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على لعب دورها كفاعل في المجال العمومي.
حادي عشر: حدود الإصلاح وإشكالية التنزيل
رغم الطابع الطموح للمشروع، فإن نجاحه يظل رهيناً بشروط تنزيله. فالتجارب السابقة في إصلاح التعليم بالمغرب تُظهر أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص القانونية، بل في القدرة على تفعيلها في سياق يتسم بضعف الموارد، وتعقيد البنيات الإدارية، وتعدد الفاعلين.
كما أن غياب توافق واسع حول المشروع قد يحدّ من فعاليته، ويؤدي إلى مقاومة ضمنية أو صريحة من طرف الفاعلين الجامعيين.
تُظهر التجارب السابقة في إصلاح التعليم بالمغرب أن الفجوة بين النص القانوني والتنزيل الفعلي تشكل تحدياً رئيسياً. فقد عرفت إصلاحات سابقة (مثل نظام الإجازة-الماستر-الدكتوراه) صعوبات في التطبيق، بسبب ضعف الموارد، ومقاومة الفاعلين، وتعقيد المساطر الإدارية.
كما أن تعدد المتدخلين في قطاع التعليم العالي (وزارة، جامعات، مؤسسات، شركاء اقتصاديون) يجعل من التنسيق تحدياً كبيراً. وتُظهر المعطيات أن غياب التقييم المستمر للإصلاحات السابقة يؤدي إلى تكرار نفس الاختلالات.
في هذا السياق، يظل نجاح مشروع القانون 59.24 رهيناً بمدى توفر شروط التنزيل: تمويل كافٍ، تأطير بشري، وتوافق مؤسساتي.
خاتمة: أي جامعة نريد؟
إن مشروع القانون 59.24 لا يتعلق فقط بإصلاح مؤسسة، بل بإعادة تعريف معنى الجامعة نفسها. هل هي فضاء لإنتاج مواطن نقدي وفاعل سياسياً؟ أم مجرد جهاز لتأهيل الموارد البشرية؟
الرهان الحقيقي اليوم ليس تقنياً، بل سياسي بامتياز. لأنه يتعلق بنموذج المجتمع الذي نريده:
مجتمع تُقاد فيه المعرفة بمنطق السوق، أم مجتمع تكون فيه المعرفة أداة للتحرر وإعادة التفكير في الواقع؟
في هذا المعنى، فإن النقاش حول هذا المشروع يجب ألا يُختزل في تفاصيله القانونية، بل ينبغي أن يُفتح على أسئلة أعمق حول السلطة، والمعرفة، والعدالة الاجتماعية في المغرب المعاصر.








