بقلم سعيد الوردي
في خضم التحولات الاجتماعية و التربوية التي يعرفها المجتمع ، تبرز الأستاذة أمينة لمراني كإحدى الشخصيات التي اختارت أن تجعل من العمل الجمعوي رسالة حياة ، و من خدمة الفتاة المتمدرسة مشروعاً إنسانيّا متكاملاً يقوم على الإيمان بكرامة الإنسان و حقّه في التعليم و العيش الكريم . و من خلال إشرافها على مؤسسة دار البر (الجمعية الخيرية الإسلامية دار البر بزايو) ، التي تأسست بتاريخ 16 يوليو 2008 ، استطاعت أن تبني تجربة رائدة و متكاملة الأبعاد ، تجمع بين الرعاية الاجتماعية و التأطير التربوي و التنمية الشاملة للفتيات المنحدرات من أوساط هشة .
لقد انطلقت هذه التجربة من رؤية واضحة تؤمن بأن التعليم ليس امتيازا ، بل حق أساسي ، و أن الفتاة المتعلمة هي أساس الأسرة المتماسكة و المجتمع المتوازن ، و من هذا المنطلق ، وضعت الأستاذة أمينة لمراني نصب عينيها هدفًا استراتيجيّاً محوريّاً يتمثل في تشجيع التمدرس و محاربة الهدر المدرسي في صفوف الفتيات ، و هو هدف يتطلب مجهوداً كبيراً و استمرارية في العمل و مواجهة إكراهات متعدّدة ، اجتماعية و اقتصادية و نفسية .
و تحت القيادة الفعلية للأستاذة أمينة لمراني ، تحولت مؤسسة دار البر بزايو إلى فضاء متكامل للرعاية و التأهيل ، حيث أولت اهتماما بالغا بفئة الفتيات المنحدرات من أسر تعاني الهشاشة و الفقر ، فعملت على احتضانهن داخل بيئة تربوية آمنة توفر لهن الإيواء الكريم ، و التغذية المتوازنة ، و الرعاية اليومية ، بما يضمن لهن الاستقرار النفسي و الاجتماعي ، و يهيئهن لمتابعة مسارهن الدراسي في ظروف ملائمة تحفظ كرامتهن و تصون طموحهن .
و لم يكن هذا العمل ليحقق أهدافه لولا المتابعة الدقيقة و الاهتمام المباشر من طرف الأستاذة أمينة لمراني ، التي لا تكفي بالإشراف الإداري ، بل تنخرط بشكل يومي في تفاصيل العمل ، و تتابع أحوال المستفيدات عن قرب ، و تحرص على توفير كل ما من شأنه أن يخفف من معانتهن و يعزز فرص نجاهن . و هذا الحضور الإنساني القوي جعلها تحظى بمكانة خاصة لدى الفتيات ، باعتبارها أكثر من رئيسة مؤسسة ، مربية و أمّا بديلة و ملاذًا آمنًا.
و في الميدان التربوي ، عملت الأستاذة أمينة لمراني على جعل التعليم ركيزة أساسية داخل مؤسسة دار البر بزايو ، من خلال توفير دروس الدعم و التقوية في مختلف المواد الدراسية ، مع استقطاب أطر تربوية مؤهلة لمواكبة المستفيدات . و قد انعكس هذا الاهتمام بشكل واضح على النتائج الدراسية ، حيث حققت الفتيات معدّلات متميّزة و نتائج مشرفة في مختلف المستويات التعليمية ، مما يدل على فعالية المقاربة التربوية المعتمدة داخل المؤسسة.
كما لم تغفل الأستاذة أمينة لمراني أهمية التأهيل العصري ، فعملت على إدماج التكوين في مجال تكنولوجيا الإعلاميات ضمن أنشطة المؤسسة ، إدراكًا منها بأن العصر الرقمي يفرض على الفتيات امتلاك مهارات حديثة تمكنهن من الاندماج في سوق المعرفة و مواكبة التطور التكنولوجي . و هذا التوجه يعكس رؤية مستقبلية واضحة تهدف إلى تمكين الفتاة ليس فقط من النجاح الدراسي ، بل من أدوات النجاح في الحياة أيضاً .
و في بعده القيمي و الروحي ، أولت المؤسسة تحت إشرافها اهتماماً خاصّا بتعزيز الهويّة الدينية و الأخلاقية للمستفيدات ، من خلال تنظيم دروس في قراءة و تجويد القرآن الكريم ، و التي كان لها أثر بالغ في تهذيب السلوك و غرس القيم النبيلة مثل الانضباط و الاحترام و المسؤولية . و قد ساهم هذا البعد في تكوين شخصية متوازنة تجمع بين التحصيل العلمي و الالتزام الأخلاقي .
و لأن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بتنمية مختلف جوانبه ، فقد حرصت الأستاذة أمينة لمراني على تنويع أنشطة مؤسسة دار البر بزايو لتشمل المجال الثقافي و الفني ، حيث يتم تنظيم عروض و ندوات و أنشطة تربوية هادفة تتيح للفتيات التعبير عن ذواتهن و تطوير مهارات التواصل و الثقة بالنفس . كما شمل العمل أيضا الجانب الرياضي ، حيث تم تشجيع الفتيات على ممارسة مختلف الرياضات ، مما ساهم في تحقيق نتائج متميزة تُوّجهت بالحصول على بطولات محلية و إقليمية و وطنية في عدة رياضات ، و هو إنجاز يعكس حجم الجهد المبذول في التأطير و المتابعة .
و من الجوانب المهمة في مسيرة الأستاذة أمينة لمراني كذلك ، انفتاحها على محيط المؤسسة و سعيها الدائم إلى بناء شراكات متعددة مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين على المستويات المحلية و الإقليمية و الوطنية ، بهدف دعم البرامج و توسيع مجالات التدخل و تحسين جودة الخدمات المقدمة . و هذا الانفتاح يعكس وعياً استراتيجيّا بأهمية التعاون و التكامل في إنجاح المشاريع الاجتماعية ذات البعد الإنساني .
كما عملت باستمرار على تطوير أداء المؤسسة و الرفع من جودة خدماتها ، من خلال تبنّي أساليب حديثة في التدبير و تجويد آليات التأطير ، و الاستجابة المستمرة لحاجيات المستفيدات المتجددة ، بما يضمن استمرارية التأثير الإيجابي للمؤسسة داخل المجتمع .
إن ما يميز تجربة الأستاذة أمينة لمراني داخل مؤسسة دار البر بزايو هو هذا التداخل المتوازن بين البعد الإنساني و التربوي و الاجتماعي ، حيث لا يُنظر إلى العمل الجمعوي كخدمة ظرفية ، بل كمشروع حياة طويل الأمد هدفه بناء الإنسان قبل أي شيء آخر . و قد استطاعت من خلال هذا النهج أن تجعل من المؤسسة نموذجاً حيّا للعمل الاجتماعي الفعّال ، الذي يلمس حياة الفتيات بشكل مباشر و يمنحهن فرصاً حقيقية للنجاح .
و في الختام ، يمكن القول إن الأستاذة أمينة لمراني و مؤسسة دار البر بزايو تمثلان تجربة متفردة في مجال العمل الجمعوي ، تجربة تقوم على الإخلاص في العمل ، و وضوح الرؤية ، و الاستمرارية في العطاء ، و الإيمان العميق بأن الإستثمار في الفتاة هو استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله . و هي بذلك تقدم نموذجاً يُحتذى به في القيادة النسائية الهادفة ، و العمل الاجتماعي المسؤول و البناء التربوي القائم على القيّم و الإنسانية.
في انتظار الجزء الثاني.








