عبد القدوس لمريني
لم تمضِ سوى أعوام قليلة على آخر زيارة لي لمكتبة زايو العامة. أعوام كفيلة بأن تُغلق مكتبة، وتُمحى أسماء قرائها من دفاتر النسيان. كانت آخر مرة دخلت فيها ذاك المكان قبل الجائحة، حين كانت المكتبة ما تزال تُدار بأنفاس لطيفة لموظفتين تحملان في صوتهما نبرة الأمومة أكثر من نبرة الإدارة. كنت آنذاك أستعير الكتب كما يُستعارُ الأمل، بورقة بسيطة، بابتسامة، بلمسة ثقة.
لكن كل شيء تغيّر بعد أن اجتاح الفيروس العالم، وأُغلقت الأبواب التي كانت تُفتح على الحروف.
ثلاث سنوات مرّت، حملت فيها الكتاب الذي استعرتُه كوديعة في الغربة. وحين عدت إلى المدينة، أول ما فعلته كان أن أرجعه. لا لأن أحدًا طالبني به، بل لأن الأمانة لا تسقط بالتقادم.
دخلت المكتبة ذات صباح، فاستقبلتني موظفة جديدة، تضع على وجهها قناع الجدية البيروقراطية.
سلّمتها الكتاب كما يُسلّم التائب ذنبه، فإذا بها تردّ عليّ بمطر من الأسئلة:
“أين البطاقة الوطنية؟ هل أنت طالب؟ أين نسخة شهادة التمدرس؟ هل كنت منخرطًا؟ أين بطاقة الإنخراط؟ …”
أسئلة كثيرة جعلتني أشعر أنني أحاول استعارة القمر، لا كتابًا في رفّ مهمل.
قلت لها، بابتسامة محاولا أن ألطّف المشهد:
“كل ما في الأمر أنني جئت لأُعيد الكتاب، لا لأترشح للانتخابات، وإن كنت قد أضعت بطاقة الانخراط فالأرشيف لديكم ويقع على عاتقكم التأكد منه.”
لكن لا فائدة. الموظفة، مُقيّدة بالقواعد، لم تأبه بتاريخي كأحد رواد المكتبة، وكأن الغرض من كل هذا أن تبقى الكتب حبيسة الرفوف، محتجزة بين الأوراق والأختام، بعيدًا عن أي قارئ محتمل.
وبينما كنت أحاول أن أفهم هذا العبث البيروقراطي، وجدت نفسي أفكر بالكتاب الذي كنت أنوي استعارة آخر نسخة منه… كتاب الخلود لميلان كونديرا.
كم كانت سخرية القدر لاذعة: أن تُغرقني البيروقراطية في الأوراق وأنا أطلب كتابًا التهمه غبار الزمن ويحمل عنوان ” الخلود”.
وكأن البيروقراطية نفسها تمنح الكتب خلودًا من نوع خاص، خلودًا في صمت الرفوف وغبار السنين.
بعد كل هذه الطقوس الورقية، وكأنني أتقدم لانتخابات رئاسية، تركت الكتاب ليواجه مصيره… محتجزًا بين الرفوف، فليس للإنسان أن يحلم بالخلود.








