في قضية تثير تساؤلات حول تناغم الجهود الرامية إلى تحسين مناخ الاستثمار على المستوى المحلي، وجدت شركة استثمارية نفسها في مواجهة مع قرار إداري يهدد بتعطيل مشروع كبير ويفتح الباب أمام اتهامات بالتعسف وازدواجية المعايير.
فقد تقدمت شركة “بودو ايمو”، ممثلة بمحاميها ذ. زكريا البوريهي، بطلب ترخيص لإنجاز مشروع محطة للوقود والخدمات على الطريق الوطنية رقم 16 بجماعة رأس الماء (إقليم الناظور) في يونيو 2025. وبعد دراسة الملف، أصدرت اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار بجهة الشرق رأيا إيجابيا في اجتماعها بتاريخ 19 يونيو 2025، مشترطة بعض الملاحظات الفنية التي التزمت الشركة بها وقامت بتعديل التصاميم وفقا لها في 20 يونيو 2025.
ومع استكمال الإجراءات على المنصة الرقمية “رخص” ودفع الرسوم المستحقة، جاءت الصدمة من رئيس جماعة رأس الماء، الذي رفض منح الترخيص في 25 نوفمبر 2025، معللا ذلك بتعليق موافقة اللجنة الجهوية نفسها وبرأي بعدم الموافقة من مصالح العمالة والوكالة الحضرية لأسباب تتعلق بإمكانية اختراق القطعة الأرضية لمشروع طريق مستقبلي.
من جهة أخرى، تقدم المحامي بمراسلة إلى عامل إقليم الناظور (كسلطة وصاية على الجماعات الترابية) في إطار المادة 265 من القانون التنظيمي 113.14، معتبرا قرار رئيس الجماعة “مشوبا بعيوب” تبرر إلغاءه، وأبرزها:
1. مخالفة القانون: حيث أن قرار اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار ملزم لجميع أعضائها، بما فيهم جماعة الناظور (التي تنتمي إليها جماعة رأس الماء)، ولا يحق للجماعة معاكسته. كما أشار إلى أن الجماعة سبق أن رخصت لمشاريع مماثلة (محطات خدمات) على نفس المقطع الطرقي، مما يمثل خرقا لمبدأ المساواة وازدواجية في المعايير.
2. عيوب في السبب: حيث أن الأسباب المقدمة للرفض – كعدم موافقة الوكالة الحضرية – تتناقض مع وثائق رسمية تثبت موافقة الوكالة بعد استجابة الشركة لجميع التحفظات. كما أن مصالح مديرية التجهيز لم تثبت اعتراضها، والمشروع متقيد بجميع وثائق التعمير.
3. عدم الاختصاص: فدراسة المشروع من جميع الجوانب واتخاذ القرار الموحد هو من اختصاص اللجنة الجهوية الموحدة حصريا، وليس من صلاحيات كل عضو على حدة لإعادة فتح الملف وإثارة ما تم البت فيه.
وحذرت المراسلة الموجهة للعامل من أن هذا الموقف “موغل في التعسف في استعمال السلطة”، يؤدي إلى تعطيل مشروع استثماري ويلحق خسارة مالية كبيرة بالشركة التي تعاقدت بالفعل مع مؤسسات بنكية، في تناقض صارخ مع الرؤية الملكية الداعية إلى تشجيع الاستثمار.
هذه القضية تضع سلطات الوصاية أمام امتحان حقيقي في حماية المستثمرين من الممارسات التعسفية المحلية، وضمان تنسيق حقيقي بين مختلف المتدخلين لتحقيق المرجو من اللجان الجهوية الموحدة، وهي آليات أنشئت لتسهيل الاستثمار وليس لإضافة عراقيل جديدة. كما تفتح النقاش حول ضرورة خضوع القرارات الإدارية المحلية للمراقبة الفعالة، واحترام مبادئ الشفافية والمساواة وحسن النية في التعامل مع طلبات الاستثمار التي تستوفي جميع الشروط القانونية.



هذا ليس أول تعسف يتعرض له مستثمر من طرف رئيس جماعة رأس الماء… والدليل مستثمر من زايو، واجه نفس العراقيل رغم توفر ملفه على جميع الوثائق القانونية وكل الشروط المطلوبة. نفس السيناريو يتكرر: اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار تعطي رأياً إيجابياً، والإدارات المختصة لا تعترض، ومع ذلك يظهر قرار فردي يعرقل المشروع بلا أي سند قانوني.
الاستثمار يحتاج قانوناً… لا مزاجاً شخصياً.
فالقرارات الاستثمارية تُتخذ وفق القانون 47.18، وليس بناءً على تقديرات فردية أو اجتهادات شخصية لا تعتمد على أي وثيقة رسمية.
من واجب كل رئيس جماعة احترام دولة القانون ومخرجات اللجنة الجهوية، لأن مستقبل الاستثمار في المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة قرارات متناقضة تُفقد الثقة في مناخ الأعمال.