بقلم:محمد بونوار *
عرفت كبريات المدن المغربية في الاسبوع الاخير من شهر شتمبر من السنة الجارية مظاهرات عارمة يقودها شباب بدون انتماء سياسي ، أعمارهم لا تفوق 30 سنة ، شعارهم محاربة الفساد ، وتوفير الصحة والتعليم والشغل والرعاية الاجتماعية .
ولتنوير الرأي العام ، لابد من الرجوع الى الوراء مع التركيز على التسلسل الزمني للاحداث لمعرفة شرارة الاحتقان وأسبابها في ميدان الصحة والذي يعرف تراجعا كبيرا سواء في المدن أو القرى المغربية .
قبل سنتين توفى مواطنون بمستشفى مدينة بني ملال الواقعة وسط المغرب ، بلغ عددهم 26 شخص خلال يومين وذالك لنقص الاوكسجين بالمستشفى المذكور .
قبل شهرين نظم سكان قرية – آيت بوكماز – بجهة أزيلال مظاهرة سلمية ، وذالك بعدما سئموا من الحياة والتي تعود بهم الى العصر الحجري ، للمطالبة بأمور بدائية ، طريق لفك العزلة على السكان ، من خلال البنيات التحتية الاساسية ، وتوفير شبكة الهاتف و الانترنيت ، وكذا توفير طبيب واحد بمستوصف الجماعة ، بمعنى غياب الصحة وتهميش المواطن بالهضبة السعيدة – أيت بوكماز – .
في مطلع الشهر المنصرم توفت 8 نساء وكلهن حوامل بمستشفى مدينة اكادير الواقعة جنوب مراكش ، وكان عدد من سكان المدينة قد تظاهروا أمام المستشفى ، وبعدها قام وزير الصحة بزيارة المستشفى المذكور ، لكن لم تتم متابعة الحادث لمعرفة الاسباب الحقيقية ، وكان هذا التصرف بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس ، لان المستشفى كانت تنقصه المرافق والتجهيزات والمعدات الطبية والادوية ، و الاطر الطبية والتي هي غير كافية مقارنة مع عدد الراغبين في الحصول على تحليلات واٍجراء فحوصات بالاشعة وتأخر المواعيد لاجراء بعض العمليات الطبية .
وبعد مظاهرة من أمام مستشفى أكادير ، كانت وقفات أخرى تشكو من تراجع خدمات المستشفيات بكثير من المدن المغربية .
وقبل ثلاثة أسابيع تقريبا جاء الدخول المدرسي ، واكتشف المغاربة أن كتب التلاميذ تناولت مواضيع تنم عن تخفيض الذكاء وقتل العزيمة لكل من يريد التقدم في التعليم وتوسيع دائرة الفهم والادراك ، وهو ما يعني أن التعليم أصبح حديث الساعة لذى الاباء والمواطنين خاصة في المدارس العمومية ، أما المدارس الخصوصية والتي هي بالاداء وليست بالمجان فلها كتب أخرى وكأنها لا تمت لوزارة التعليم المغربية بأي صلة ، وهنا لابد من الاشارة أن كثير من المواطنون المغاربة ليست لديهم القدرة المالية لاداء المصاريف الشهرية للمدارس الخصوصية .
الدوافع والاسباب لقيام المظاهرات بالمغرب .
بالتسلسل الزمني حاولنا سرد بعض الاحداث بعجالة ، والتي هي الصحة والتعليم ، كما أنه وجبت الاشارة أن ما في وقع في دولة النيبال ، كان له وقع كبير، والهام لا مثيل له في القيام بمظاهرات سلمية للمطالبة بالكرامة والتي تتجلى في الصحة والتعليم ومحاربة الفساد ، مع التذكير أن ما وقع في النيبال كان من طرف جيل – زد – لمكافحة الفساد وتعزيز الفرص الاقتصادية .
تراكمات وفشل السياسات العمومية.
مشاكل الصحة في المغرب كتبنا عنها مقالات قبل سنتين ، والتباين بين الجهات في البنيات التحتية كتبنا عنهما أيضا قبل أربع سنوات ، أو ما يزيد ، لكن الكتابة لم تعد تغير أي شيء ، لان الاعلام المغربي يتبنى أشياء تؤجج نفسية المواطن بشكل مباشر، بعيدة عن الواقع ، وعكس المواقع ، وباستمرار وبدون مراعاة للابعاد وتشتيت بناء الفرد في المجتمع ، ولتبسيط الامور ، الاعلام الرسمي يتبنى مثلا في الخطابات الرسمية أن المتضررين من زلزال الحوز استفاذوا بدون استثناء وتم تعويضهم ، لكن في الواقع لازال البعض يعيش تحت الخيام الى يومنا هذا ، مع العلم أن هناك ميزانية كبيرة رصدت لبناء المنازل وتعويض المتضررين ، علاوة على الاموال التي ساهمت بها عدد من الدول الاروبية والاتحاد الاروبي . ومن هنا يمكن استنباط أمرين ، الفساد وراء هذا الفشل ، ومصداقية الاعلام تحتاج الى مراجعة كبيرة .
الحكومة الحالية مسؤولة بشكل كبير فيما يقع الان في المغرب ، والذي تعود أسبابه الى شبهة الفساد المستشري بين أعضاء الحكومة ، وذالك لاعتبارات عدة في مقدمتها أن غالبية الوزراء الحاليين يملكون شركات ، وهو ما يعني تضارب المصالح .
المجلس الاعلى للحسابات يعتبر أيضا من المساهمين في الفساد من خلال اٍجراء تقريرات حول برلمانيين ورؤساء جماعات، ومسؤولين كبار ، لكن بدون جدوى وبدون محاسبة وبدوان اٍقالة وبدون اٍنذارت لارجاع الاموال المسروقة الى صناديق الدولة .
تأتي هذه المظاهرات في وقت حرج حيث يستعد المغرب لاحتضان كأس افريقيا للامم في غضون ثلاثة أشهر تقريبا ، وقد خصص لهذا الغرض ميزانيات كبيرة لبناء ملاعب كبيرة تضاهي كبريات الملاعب الدولية .
مع الاشارة أن الملاعب شيدت بكبريات المدن التي بها طرق سيارة ، وفنادق ، ومطاعم ، وكأنها أعدت خصيصا للسواح والوافدين من الخارج ، بينما أبناء الوطن يعانون من مشاكل في الصحة والتعليم والحصول على عمل ، وفي بعض القرى الجبلية لازال سكان المغرب العميق يطالبون بالماء الصالح للشرب وبعض البنيات التحتية الاساسية ، بما فيها المستشفيات ، وهنا لابد من التذكير أن سكان هذه المناطق لا يتوفرون على سيارة اسعاف ، ولو وجدت فليس هناك طرق معبدة للوصول الى التجمعات السكنية المنتشرة في أعالي الجبال . مع التذكير أن نصف سكان المغرب ليست لديهم القدرة المالية على شراء التذاكير لملامسة المنجزات الرياضية في المغرب الذي يمشي بالسرعة الاولى .
هناك من يعقب على المظاهرات الاخيرة التي وقعت في المغرب ، والتي انتقلت من السلمية الى التخريبية ، طبعا هذه الاعمال غير مقبولة ، لكن هؤلاء الاشخاص يجب الاقرار أنهم نتيجة التربية والسياسات العمومية والتي لا ترقى الى الشمولية في الرعاية الصحية والتعليم والشغل ومحاربة الفساد ، وتقليص التباين بين الجهات ، والفوارق المجالية ، وبناء الانسان قبل بناء الملاعب .
الحلول الممكنة.
شخصيا أرى أن انسحاب الحكومة من الساحة السياسية ، هو الحل الملائم لهذه المرحلة ، وهناك مخرج ثان ، بحكم أن الملك يحضى باحترام وتقدير من الشعب المغربي ، فاٍن اعلانه لاجراء انتخابات جديدة ، قد يزرع الامل في قلوب المتظاهرين وفي قلوب كل من وصله التهميش ، وفي قلب كل من يعاني من خدمات المستشفيات ، وفي قلب كل من لازال ينتظر أن تصل اليهم التنمية الحقيقية ، مع اٍحالة كل من شارك في الفساد واختلس أموال الدولة بدون وجه حق على العدالة لكي تقول كلمتها .
*كاتب مغربي مقيم بألمانيا








