يَزَن عبد القُدُّوس لمريني
في قلب الرباط، وعلى الأرصفة التي شهدت خطوات آلاف المواطنين، ارتفعت أصوات الشبان والشابات، هتافات تختلط بأضواء الهواتف المحمولة وملصقات مؤقتة. من الدار البيضاء إلى مراكش، مرورًا بفاس وأكادير وطنجة، بدت المدن المغربية كصفحات مفتوحة، تُكتب عليها الحكاية بلغة لم تتوقعها السلطة: أصوات تعلو، وجوه يكسوها العزم، وأيدٍ تتشابك في احتجاج سلمي، فيما الهراوات تترصّد خلف الزوايا.
جيل “زد”، الذي وُصم طويلاً بأنه جيل “اللاشيء”، كشف عن وجه آخر: جيل يتقد شغفًا بالتعبير، يهتف بما عجز عنه الكبار، ويعيد تعريف معنى المواطنة في زمن اكتفى فيه كثيرون بالتصفيق البارد للوعود الرسمية. لم يعد شباب الشاشات مجرد متابعين، بل صاروا فاعلين على الأرض، يحوّلون الفضاء العام إلى مسرح للكرامة.
أقسى المشاهد كان لأب يحتضن طفلته الصغيرة وهما يُسحبان جرًّا، كما لو أنهما خرجا للتو من صفحات 1984 لجورج أورويل: عالم تُصاغ فيه الحقيقة على لسان السلطة، ويصبح كل ما عداها جريمة. هنا يطلّ سؤال لاذع: هل هؤلاء القساة من الشعب فعلًا، أم مجرد نتاج مصنعٍ سري ينتج القمع بلا إحساس؟
أما المؤثرون أصحاب الملايين من المتابعين، بقلوبهم الوردية وابتساماتهم المصفوفة، فقد اختاروا دفن رؤوسهم في الرمال، كنعامةٍ تظن أنها تختفي إذا لم تُر. المفارقة فاضحة: جيل بلا ملايين المتابعين يملك شجاعة النزول إلى الشارع، بينما أصحاب الأرقام الفلكية يغيبون عند أول هتاف.
في المقابل، تبقى المباني الرسمية الفخمة والملاعب المزخرفة شاهدة على أولويات غريبة: حيث تتفوّق البهرجة على الواقع، والمظاهر على الحاجات اليومية. مدارس تتصدع، مستشفيات تنهار تحت الإهمال، بينما العيون شاخصة نحو الأضواء.
التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي عاشت القمع لم تبقَ أسيرة الخوف: من أوروبا الشرقية إلى أميركا اللاتينية، من ساحة “سوليدارنوش” في بولندا إلى ساحة “مايو” في الأرجنتين، كتب الناس نهايات جديدة، ونجحوا في قلب الصفحة. المغرب اليوم ليس استثناءً: جيل “زد” رفع القناع، وكتب بلغة صريحة أن الكرامة ليست ترفًا، بل شرطًا للوجود.
وفي الختام، يطلّ أورويل من بين السطور مبتسمًا بسخرية خفية: ربما توقّع العالم، لكنه لم يتخيّل أن تتحوّل روايته إلى مشهد حيّ على أرصفة المدن المغربية، على ألسنة جيلٍ لا يهاب التحدي، ولا يقبل أن تُخمد أصواته.









