بقلم الدكتور محمادي لغزاوي
هذا النص لا يُعدّ مقال رأي بقدر ما هو بيان احتجاج على المذابح الممنهجة التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في غزة.
أنا، محمادي لغزاوي، مواطن هولندي و مغربي، أتحدث اليوم ليس كمواطن فحسب، بل كإنسان يرفض السكوت أمام الظلم. أنا أؤدي واجباتي المدنية، وأدفع ضرائبي للدولتين، وأفي بكامل التزاماتي. أنا ممتن وفخور بعمق لأنني جزء من هاتين الأمّتين، اللتين تزخران بتاريخ غني ومشرف. ولكن الآن، في الوقت الذي تتجلى فيه جريمة الإبادة الجماعية بشكل علني في غزة يقترفها الكيان الصهيوني الغاشم، أشعر بالواجب الحتمي لرفع صوتي وتعزيز مقاومتي لهذا الظلم.
أمام أعيننا تقع كارثة لم يعد من الممكن تجاهلها أو تبريرها. يوميًا يُقتل المدنيون الأبرياء – نساء ورجال وأطفال – ويتعرضون للتجويع الممنهج ويفقدون أبسط حقوقهم: الحق في الحياة، والغذاء، والماء، والرعاية الطبية. منذ ما يقرب من عامين، يشهد العالم تدمير شعب أعزل في غزة على يد الدولة الصهيونية، بدعم صريح من القوى الغربية الإمبريالية. وقد تجاوز عدد الضحايا 63.000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. ومع ذلك، تستمر المذبحة. وقد أكدت الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) بشكل لا لبس فيه أن ما يحدث في غزة يُشكل إبادة جماعية.
في مواجهة هذا العنف، اختارت كل من هولندا والمغرب الصمت، والانتهازية الدبلوماسية، والمصالح الاقتصادية – وبالتالي المشاركة في الجريمة. موقفهم ليس مجرد جبن، بل يمثل انتهاكًا مباشرًا للمبادئ التي يزعمون تمثيلها: العدالة وحقوق الإنسان وكرامة كل إنسان.
تقدم هولندا نفسها دوليًا كمدافعة عن القانون والإنسانية، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وعلمية مع إسرائيل. ولا يزال هذا السلوك يُبرر بمشاعر الذنب تجاه اضطهاد اليهود في هولندا وأوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن لا يمكن لجريمة بحق شعب أن تُكفّر من خلال تسهيل اضطهاد شعب آخر. هذه تحريف غير عادل للتاريخ ونفاق من أعلى درجة.
كما يتحمل المغرب جزءًا من المسؤولية. فقد اختار المغرب تطبيع علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، رغم أن الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني معروفة وموثقة منذ عقود. وبينما تستمر انتهاكات القانون يوميًا، يختار المغرب الصمت والانتهازية، مضحيًا بالقضية الفلسطينية من أجل المصالح الجيوسياسية، ومن ثم ينحاز إلى جانب الظالم، في تناقض صارخ مع مشاعر وقناعات الشعب المغربي، الذي يرتبط عميقًا بالعدالة ويظل مرتبطًا ارتباطًا لا ينفصم بالكفاح الفلسطيني.
كم هو مؤلم هذا التباين مع الماضي. فعلى مر القرون، كان المغرب ملاذًا آمنًا لليهود، سواء من الناحية الاقتصادية أو الدينية، خصوصًا عندما كانوا مضطهدين في أوروبا. خلال العصور الوسطى، وخاصة أثناء الاضطهاد في إسبانيا والبرتغال، لجأ الكثيرون إلى المغرب حيث وجدوا الحماية وتمكنوا من الحفاظ على مجتمعاتهم الصغيرة. وحتى في القرن الثامن عشر، تمتع اليهود بالحماية في المغرب. وفي أحلك سنوات القرن العشرين، عندما تم اضطهاد اليهود بشكل ممنهج في أوروبا وهولندا خلال الحرب العالمية الثانية، وفر المغرب لهم الحماية مرة أخرى دون تردد وبرغم المخاطر الكبيرة، تم تأمين سلامتهم وتمكنوا من النجاة. إن هذا الفعل من الشجاعة والإنسانية والتضامن يشكل إرثًا يجب أن يُحفظ بفخر، وهي الروح نفسها التي أعتز بها أنا، كأحد أحفاد المغاربة الأحرار، وأسعى إلى استمرارها والحفاظ عليها.
فأنا أفتخر بخصال أجدادي: الرفض المطلق للظلم، والاستعداد لحماية الأبرياء بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو أصلهم، والقدرة على العمل وفق أعلى القيم الإنسانية. وهي القيم التي أقف بها اليوم في وجه نفاق وجبن الدولة المغربية و الهولندية.
هذا المثال يوضح مدى الخطأ وعدم الإنصاف في وصف كل انتقاد لجرائم الدولة الصهيونية تلقائيًا بأنه معاداة للسامية. هذه الفكرة، التي تساوي بين الجرائم السياسية والكراهية لشعب أو دين، ليست فقط خاطئة، بل خطيرة جدًا. فهي لا تخدم إلا إسكات أصوات الذين يدافعون عن العدالة.
أنا، كمواطن مغربي و هولندي ، أعلن أنني أختار الرفض على السكوت:
– أرفض أن يُنفق أي درهم من ضرائبي، بشكل مباشر أو غير مباشر، لدعم الدولة الصهيونية.
– أطالب الدولتين، المغرب و هولندا، بوقف أي تعاون أو دعم الكيان المحتل فورًا ودون قيد أو شرط، سواء كان اقتصاديًا أو عسكريًا أو دبلوماسيًا.
– أطالب بإتاحة وصول المساعدات الإنسانية – الغذاء والماء والأدوية – إلى غزة بشكل عاجل وآمن.
– أطالب بوقف دائم لإطلاق النار وإنهاء قتل وتجويع وتشريد المدنيين.
– أطالب أن يلتزم المغرب وهولندا و بشكل كامل بالإجراءات القانونية الدولية ضد جرائم الحرب والإبادة الجماعية، والمساهمة الفعلية في محاكمة المسؤولين.
الصمت هو مشاركة في الجريمة. والتغاضي هو خيانة للإنسانية. وأنا أرفض كلاهما.
انطلاقًا من مبادئ العدالة والإنسانية والكرامة التي تكفلها المواثيق الدولية لكل إنسان، ندعو هولندا والمغرب إلى تحمّل مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية، والوقوف إلى جانب المظلوم دفاعًا عن الحق والعدالة.








