جمال الغازي / ألمانيا
وُلد الشاعر علي أمازيغ، أحد أبرز الأصوات الشعرية الأمازيغية في المهجر، في حي “اصبانن” عام 1960. نشأ هناك في حضن عائلة متواضعة، حيث اكتسب قيم البساطة والمحبة للطبيعة والإنسان. تلقى دراسته الأولى في مدرسة ابن خلدون من عام 1967 إلى 1971، وكان لهذه الفترة دور كبير في تشكيل رؤيته للحياة وإحساسه العميق باللغة والثقافة الأمازيغية. لكن مسار حياته اتخذ منعطفا كبيرا حين هاجر إلى هولندا عام 1974، حيث وجد نفسه غريبا في مجتمع جديد، ما عمق لديه شعور الحنين إلى الوطن وأحيا داخله شغف الكتابة والشعر.

في السبعينيات والثمانينيات، كانت الأغاني الأمازيغية الملتزمة تنبض بروح النضال، لتصبح لسان حال جيل يحلم بالحرية والكرامة. تأثر علي أمازيغ كثيرا بهذا اللون الفني الذي ألهمه كتابة الشعر ليعبر عن مشاعره وأفكاره بصدق وبساطة، وبكلمات تلامس قلوب الناس. وجد في الشعر ملاذه وعالمه الذي يفهمه ويشعر فيه بذاته، فكانت قصائده بمثابة نافذة يبث من خلالها حنينه للوطن وصور الطفولة وأحلامه المستحيلة.
على مدى مسيرته الشعرية، كتب علي أمازيغ أكثر من مائة قصيدة، تضم معاني عميقة ونبضا إنسانيا. من بين أبرز قصائده: “ثماسينت ذثرايثماس”(مجموعة قصائد خاصة بالأطفال)، “ثسيوانت”، “ثفسوث”، “ثمجارين ن تسكاث”، و”ثمانت نتزيزوا”. هذه القصائد تعكس مراحل مختلفة من حياته ورؤيته لمنهجية تعليم الاطفال بعد تاثره من درس احمد والعفريت ، وكما ان كل اشعاره فيها عمق إحساسه بالهوية والانتماء، وتشكل ألوانا متعددة من صور الحرمان، الحنين، والنضال.
وبعيدا عن القصائد الموجهة للكبار، كتب علي أيضا 17 قصيدة مخصصة للأطفال، على شكل أناشيد تربوية تجمع بين المرح والفائدة. ولعل قصة “أحمد والعفريت”، التي درسها في طفولته وكانت تخيفه، هي التي أثرت فيه بشكل كبير ودفعته إلى تقديم قصائد للأطفال بلغة بسيطة وأسلوب مرح، ليزرع في قلوبهم الأمل ويجنبهم الخوف الذي عاشه في بداية طفولته.
أصدر علي أمازيغ خلال مسيرته الإبداعية عددا من الدواوين الشعرية التي تعد مرجعا في الشعر الأمازيغي الحديث. أولها ديوان “انقار” الذي صدر عام 2009، ويضم قصائد تجسد رحلته الإبداعية منذ بداياته، وصولاإلى ديوان “اذمن اتوزويزن” في عام 2018، الذي يعتبر تأريخا لمراحل نضجه الشعري والفكري. كما نشر سيرته الذاتية عام 2012 تحت عنوان “ثودينت وريتزغن”، حيث يقدم فيها لمحات من طفولته وشبابه وأثر الغربة في تشكيل شخصيته وأسلوبه.
بفضل دعم وتشجيع أصدقائه، استطاع علي أمازيغ أن يتجاوز التحديات التي واجهته في مسيرته، وكان لخالد موريغ، رفيق دربه، دور كبير في تحفيزه واستمراره في الكتابة فهو يده اليمنى في اخراج مؤلفاته المعروفة. يقول علي إنه ممتن لتشجيعات #خالد_موريغ وتضحياته، فقد كان من الأصدقاء الذين آمنوا بموهبته وساندوه في رحلته.
وغنى لعلي أمازيغ مجموعة من الفنانين البارزين، مما أضاف إلى قصائده بعدا موسيقيا ورؤية أوسع للمتلقي. من بين هؤلاء الفنانين: اصبان سلام، حسن أكراو، جمال أجواو، مجموعة “امطلاع”، وأحميدة أمازيغ. وقد نجح هؤلاء الفنانون في إيصال كلماته إلى قلوب المستمعين ونقل رسائله بأصواتهم العذبة.
لم تقتصر موهبة علي أمازيغ على الشعر فقط، بل امتدت أيضا إلى المسرح، حيث أبدع في كتابة المسرحيات الأمازيغية، والتي حملت روح المجتمع الأمازيغي وقضاياه الثقافية ، هذه المسرحيات لازلت في أرشيفه لم يخرجها بعد. يتميز علي بذاكرة قوية تجعله يلقي قصائده دون الحاجة إلى ورقة، في مشهد يعبر عن فنان يتمتع بحسّ إبداعي متدفق وقدرة هائلة على الارتجال. يتجلى هذا الارتجال بوضوح في اللقاءات الشعرية والمناسبات التي يشارك فيها، حيث ينقل مشاعره بكلمات عفوية عذبة تعكس صدق تجربته.
علي أمازيغ شاعر عصامي، صنع مسيرته بنفسه وارتقى بفنه إلى مستوى عال، حيث أصبحت كلماته رمزا للأصالة والتمسك بالجذور الأمازيغية. في قصائده، نجد الحب والحنين والألم، وهي مشاعر تجمع بين روح الغربة ودفء الوطن. عاش الغربة، لكنها لم تنزع منه انتماءه، بل زادته إصرارا على الحفاظ على هويته.
إن تجربة علي أمازيغ هي قصة شاعر أمازيغي أصيل، تأبى كلماته أن تموت، وتظل حية في قلوب محبي الشعر والفن الأمازيغي الأصيل، لتكون مثالا للإبداع العصامي وروح الانتماء الصادق.







