المرأة في عيدها .. دُمُوعٌ وَابْتِسَامَات!

آخر تحديث : الأحد 8 مارس 2020 - 2:53 مساءً
2020 03 08
2020 03 08
محمّد محمّد الخطّابي *
محمّد محمّد الخطّابي *

يصادف الثامن من شهر مارس- كما هو معروف- عيد المرأة العالمي، وكان الاسم الأوّل الذي اختير لتخليد هذه الذكرى هو ”اليوم العالمي للمرأة العاملة”، قبل أن يُعتمد في أروقة الأمم المتحدة بصفة رسمية في 8 مارس من عام 1975، التي دعت الدّول الأعضاء فيها إلى الاحتفال بهذا اليوم في بلدانها كلّ عام. وتحتفل نساء العالم في العام الجاري إحياءً لمبادرة الأمم المتحدة التي كانت تحت اسم ”50 ـ 50″ بحلول 2030 كخطوة جبّارة لإقرار مساواة تامّة، ومُنصفة بين الجنسين، ورفع الوعي السياسي والاجتماعي في شؤون، وقضايا المرأة، وتسليط الأضواء الكاشفة على المشاكل، والمشاغل، والصّعاب التي ما زالت تعاني منها المرأة إلى يومنا هذا في مختلف أنحاء وأرجاء المعمور. مع ذلك، ما زالت المرأة في نظر البعض تلك “الإلزَا” التي يتوق إليها كلّ شاعر، أو أديب، أو فنّان، أو مبدع ليستلهمَ من سحر عيونها، وحدّة ذكائها، وروع دهائها، ورقّة دلالها، وطلاوة عذوبتها، وتواتر عذاباتها، موضوعاتٍ آسرةً لشِعْره، وفِكْره، وفنِّه، وأدبِه، وإبداعاتِه. ومثلما كانت المرأة – في عُرْفهم – مصدرَ إلهام، ووحيٍ وإبداع لدى الكثيرين، فقد شطّ الخيالُ ببعضهم بالمقابل في وصفها وصفاً مُجْحِفاً، حتى وإن كان في مستوى “فردريك نيتشه”، حيث قال عنها مُستهتراً، هازئاً، مُزدرياً، ظالماً، متجنّياً، متعالياً، ومُبَالِغاً: “إنّها راحةُ الجندي بعد المعركة”.

خدعوها بقولهم حَسناءُ..!

والمرأة – في عرف آخرين – ما زالت ذلك المخلوق القويّ، الضعيف الذي هو في حاجة دائماً إلى كلمات الإطراء، والإعجاب، والإبهار، وأيضا إلى التصفيق.. والتصفيق الحادّ غير المُنقطع، وقد عِيبَ على أمير الشعراء أحمد شوقي كونه وضع المرأةَ هو الآخر في تلك الخانة الضّيقة التي تظلّ فيها ومعها توّاقةً إلى الثناء، شغوفةً بالانبهار، إذ قال فيها أو عنها:

خدعوها بقولهم حسناء** والغواني يغرّهنّ الثناءُ..

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ ** فكلامٌ فمَوْعِدٌ فلقاءُ..!

ولم يتوانَ شاعر النّيل حافظ إبراهيم هو الآخر ليقدّم بدوره نصحَه، بالمقابل، ووِجهةَ نظره في المرأة، وبشكل خاص في أمّهات وبنات، وصبايا أرض الكنانة قائلاً:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها ** أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

لَيسَت نِساؤُكُمُ أَثاثاً يُقتَنى ** في الدّورِ بَينَ مَخادِعٍ وَطِباقِ

رَبّوا البَناتِ عَلى الفَضيلَةِ إِنَّها ** في المَوقِفَينِ لَهُنَّ خَيرُ وِثاقِ.

ويقول الشاعر المَنبجيّ أبو عبادة البحتري في قصيدته المشهورة “البِرْكَة”:

ما بالُ دجلةَ كالغيرَى تُنافسُها ** في الحُسْن طوراً وأحياناً تُباهيها!

فما كان له أن يقول إنّ دجلة تغار، وتنافس، وتُباري “بحيرةَ المتوكّل” في الحسن والبهاء، لولا أنّ صورة المرأة كانت حاضرةً في مخيّلته، وماثلةً نصبَ عينيه، ذلك أنّ أبا عبادة يعرف جيّداً أنّ المرأة تغار وتخشى، وتترقّب، وتنظر، وتنتظر، وتتلهّف، وتتوق إلى كلمات الإطراء، وتنزع إلى الإغراء، وتميل إلى التحلّي بالجمال، والرقّة، والكمال، وهي في ذلك تسعى لتتفوّق وتبذّ رفيقاتها، وأخواتها، ونظيراتها من بنات جنسها جمالاً، وبهاءً، وذكاءً، ودهاءً، وجاذبيةً، وفِطنة.

بين نيتشه وفاغنر

وإذا عدنا إلى الفيلسوف فردريك نيتشة لوجدنا أنه كان يقاسمُ الموسيقار الشهير رتتشارد فاغنر حبّ الغادة الإيطالية لُوسَالُومِي ذات الحُسْن الباهر، والجمال الظاهر، والهيدب الزّاهر، فالأوّل كان يمثّل بالنسبة لها الصّرامةَ، والجديّة والفكر الخالص، (الفلسفة والعقل أو الفكر)، وكان الثاني يمثل العاطفةَ المتأجّجة، والرقّة والعذوبة، والخيال المجنّح، (الموسيقى والقلب أو العاطفة) وبعد حيرة وقلق وتردّد بين هاذين العبقريين مالَ، وإزورّ قلبُ الفتاة الحسناء أخيراً إلى ريشارد فاغنر فأحبّته دون نيتشة، فشَعَر هذا الأخير بغيرة شديدة، وحنق، ونكد، وضنك، ومضض، وألم، وامتعاض، فكان من فرط غيظه وغضبه يصعد إلى غرفة صغيرة منزوية توجد في سطح منزله ويحزّ أصابعَه بسكّين حادّ حتّى تُدْمىَ أناملُه، وبعد ذلك، عندما حاق به اليأس، وأخذ منه الإحباط كلّ مأخذ في الظفر بحبّ وقلب معشوقته لوسالومي، قال معلّقاً على هذا الحدث الذي أثّر في حياته تأثيراً بليغاً قولتَه الشهيرة التي ما فتئ العشّاقُ، والمُحبّون، والمتيّمون الذين لم يظفروا بقلب معشوقاتهم يردّدونها إلى اليوم، قال ساخراً، متهكّماً، مُزدرياً، مُنتقصاً من قيمة الموسيقار فَاغْنر: لقد حلّق طائرٌ في سماءِ حبّي، واختطفَ الملاكَ الذي أحببت، ولكنّ عزائي الوحيد أنّ هذا الطائر لم يكن نِسْراً..!

وراء كلّ عظيم امرأة!

ويرى كثيرون أنه ما من نجاح، أو فلاح، أو تطوّر، أو تغيّر، أو قفزة، أو طفرة إيجابية في تاريخ البشرية، وفى مسار الناس، والحياة، والبشر إلاّ وكان للمرأة دخل أو يد فيها، ولولا ذلك لما قال “نابليون” قولته الشهيرة في المرأة.. (وراء كلّ عظيم امرأة)..! ولما قال هو كذلك في نفس السّياق: (إنّ التي تهزّ المهدَ بيسارها، تحرّك العالمَ بيمينها)! ولولا ذلك للمرّة الثالثة، لما قال “باسكال” عن كليوباطرة: (لو كان أنفها مستقيماً لتغيّر وجه التاريخ)..! وحمداً الله لأنّ أنفها من حسن الحظّ كان مُحْدودباً، نوعاً مّا، ولم يكن مستقيماً، ولذلك لم يتغيّر وجه التاريخ..!.

وبكلّ تأكيد ليس منّا أو فينا من يشكّ أنّ المرأة الفاضلة هي أمّ قبل كلّ شيء. هي أمّ لكلّ الرّجال، وأمّ لكلّ رجل.. هي التي أرضعتْه، ورعتْه، وفطمتْه، وربّتْه، ودللته، حتى شبّ عن الطّوق.. وحتى أعطته الطاقةَ، والقدرةَ، والقوّةَ على أن يرفع أصبعَه ويشير إليها قائلا: إنّك امرأة..

ولا أحد يشكّ كذلك أنّ عظمة الرجل إنّما تأتيه عن طريق المرأة، وهي نصفُ الرجل الآخر الذي لا يستغنى عنه أبداً، وهو دائم الحنين إليها، ولا يزال يركض وراءها، ولا أحد يشكّ – للمرّة الثالثة – أنّ المرأة هي التّربة الطيّبة التي تنبت فلذات الأكباد الذين من أجلهم نحيا. الجميع يعرف هذا جيّداً ولكنه في الوقت ذاته مع ذلك ما فتئ يتطاول، ويتحامل دون رويّة على هذه المرأة وينتقصُ من قدْرها، إلاّ أنّ الحقيقةَ التي لا مراء فيها هي أنّ كل امرأة أيّا كانت، لا شكّ أنّها جديرة، وقمينةٌ، وحريّةٌ، وأهلٌ بكلّ تقدير واحترام، وإعجاب، وتبجيل، وإكبار.

المرأة ومباريات الجمال!

وبعد المعارك الضارية التي خاضتها المرأة عن جدارة، واستحقاق بحثا عن ذاتها، ونفسها، وعزّتها، وكرامتها، وشخصيتها، ومساواتها، وحقوقها المشروعة، قرّرت منذ زمن غير قريب أن تخرج بهذه المعارك الطاحنة من حيّزها الضيّق إلى مجال أوسع، وفضاء أرحب في مختلف أرجاء المعمور.. عندئذٍ خلقت لنفسها أحقاداً، وأعداء ومتوجّسين، ومناهضين لها في كلّ مكان. واستخفافاً بها، واستهتاراً بأنوثتها، وانتقاصاً من ألمعيتها نصبوا لها الكمائنَ، وفرشوا لها المكائدَ، فأوجدوا ما يسرّ الأغلبية السّاحقة، ويغضب الأقلية القليلة.. بتنظيم ما يسمّى بمباريات ملكات جمال العالم!!.

وأيّ خداع يكتنف هذه الكلمة، ذلك أنّه ليس من اليُسْر والسّهولة أن يُعرّف (بتشديد الرّاء) الإنسانُ الجمالَ!، فقد حار في تعريفه حتى كبار الفلاسفة، والمفكّرين، والأدباء على مرّ العصور، وتعاقب الدهور. ونصب هؤلاء المنظمون على المنصّة شرذمة من السّكارى والصعاليك لتقول: إنّ الجمال هو طول القوام، وهيافة الخصر، وبروز النّهدين، وتناسق الأرداف، ورشاقة السّيقان، ولمعان الشّعر وانسداله وانسيابه..!، والتعرّف على عواصم فرنسا، وبريطانيا، واليابان..! بالإضافة إلى مقاييس، ومعايير أخرى لا تمتّ بصلة إلى مكانة المرأة الحقيقية، وقيمتها، وجوهرها، وكنهها، ومنزلتها، ودورها الريّادي، ومهمّتها الأساسية الشّريفة التي لا محيد لنا أبداً عنها في تكوين الأسرة، والإسهام في بناء المجتمع حيث تعتبر المرأة نصفه، وتربية النشء، واستمرارية الحياة .

والفائزة منهنّ في تلك المسابقات المخزية تُتَوَّجُ بتاج من الذهب الخالص الإبريز المرصّع بالماس والزمرّد، ويوشّح صدرُها بقلادة غالباً ما تكون مطرّزة بالماس أيضاً. وعلاوةً عمّا تقدّم يوهب لها مبلغ كبير من المال نظير جمالها..!، ناهيك عن الشّهرة الواسعة التي تنتظر الفائزة المحظوظة من إبرام لعقود الدّعاية والماركيتنغ والإشهار، ولو كانت ذات حظ أوفر، ونصيب أكبر لاقتيدت إلى أوستوديوهات هوليود، أو بوليود، أو إلى مختلف مدن صُنْع الفنّ السابع لِتَمْثُلَ وتُمَثِّل أمام مشاهير النجوم من الممثلين العالميين!!.

لعلّك ترى معي أنّ الأمور مازالت بخير حتى الآن ولكن… دعْني أخبرُك أنّه حدث تغيير جذري عمّا كان عليه الأمر من قبل بالنسبة لهذه المباريات، فقد حدث ذات مرّة أن جرت مباراة عالمية من هذا القبيل في العاصمة البريطانية بأحد المسارح الكبرى في مدينة الضباب، غير أنّ الأمورَ لم تَجْرِ في مجاريها الطبيعية، إذ تخلّلت هذه المباراة، هذه المرّة وفى مرّات أخرى كثيرة، مفاجآت غير سارّة لم تكن في الحُسبان، مفاجآت مثيرة وغريبة في آن واحد، قد يكون من الطريف أن نتعرّف على بعضها، أولى هذه المباغتات هو أنّ “إحدى جمعيات تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها” في بريطانيا- وما أكثرها- عارضت معارضة شديدة الاستمرار في إجراء مثل هذه المهازل السخيفة، وتنظيم أشباه هذه التظاهرات المخزية التي تنتقص من قيمة المرأة، وتجعل منها بضاعةً أو سلعةً، أو دمية تُباع وتُشترى، والتي تحطّ من قدرها أكثر ممّا ترفع منه!

وتعبيراً عن مدى استياء هذه الجمعيات، وحنقها، وغضبها، ومقاطعتها، وعدم رضاها عن هذه السّخافات وضعت خفية عبوات متفجّرة عند مدخل المسرح الذي تقام فيه هذه المباريات، وانفجرت بالفعل هذه العبوات الناسفة محدثة دويّاً هائلاً، وخلقت حالات من الرّعب، والذّعر، والهلع في قلوب الناس اصطكّت معها أسنان المتباريات، وارتعشت لها فرائصُهنّ، وسيقانهنّ البضّة، وارتفعت أصوات مجلجلة داخل القاعة الكبرى التي شهدت المباراة بعد أن تسلّلت عدّة فتيات من ذات الجمعيات خلسةً، واندسّت خفية بين الجموع الغفيرة محدثات صخباً، ولجباً، ودأباً، وضوضاءً، وصراخاً، وصيّاحاً، واحتجاجاً، واهتياجاً على إقامة أمثال هذه الأضحوكات!. ومن بين لافتات الاحتجاج التي حملتها ورفعتها النّساء عند باب المسرح وبداخله كانت تقول: “لا بدّ لهذه المباريات أن تنتهي قريبا، أجساد النساء استُخدمتْ من طرف الرّجال لبيع بضائعهم من الجوارب إلى المشدّات، فكلّ السّلع الاستهلاكية، لقد أهانوا كرامتنا، وحطّوا من قدرنا..” ووُزّعت مناشير بنفس تعابير الاحتجاج والتذمّر والسّخط، ثمّ إنّ عناصر مجهولة اندسّت بين الناس، ورمت بقوارير ذات روائح كريهة حتى تثير الاشمئزاز في نفوس الحاضرين والحاضرات، الشيء الذي اضطرّهم (نّ) إلى الانسحاب مُهرولين، ومُهرولات، مَخذولين.. ومَخذولات بعد تدخل البوليس نفسه..!

وتساءلت الصّحافة، واستفسرت وسائل الإعلام في اليوم التالي لهذه الحوادث عن مدى جديّة، ومصداقية، وجدوى هذه التحرّكات، والاحتجاجات المعارضة والمناوئة لمثل هذه التظاهرات، وهل هي تمّت بالفعل تحت وازع الدّفاع عن المرأة، وصوْن كرامتها..؟ أم هي كانت بدافع الغيرة والحقد، والحسد، وتحجّج هؤلاء، وأولئك المعلقون والمعلّقات أنّ المرأة هي في عراك مع نفسها، ومع بنات جنسها، ومع الرّجال أيضاً الذين غالباً ما يكونون وراء تنظيم هذه التفاهات، والإسفافات لإهانتها.

الأسْوَد يليق بك

مع ذلك مازلنا نقرأ هنا وهناك بعض الترّهّات، والخُزعبلات حول المرأة من كلّ نوع، فما بالك بالقائل – حتى وإن كان كلامه مردوداً عليه – عندما يقول: “المرأة أصناف، ونماذج، إنها في حيرة من أمرها، فالتي ترتدي الميني متصابيّة، والتي ترتدي الماكسي معقّدة، والتي ترتدي الميدي معتدلة، والتي ترتدي البنطلون مُسترجلة، والتي ترتدي الشورتْ امرأة لعوب، والتي ترتدي الجلبابَ محتشمة”، ناهيك عن بعض التقاليع الدخيلة التي انتشرت مؤخراً بيننا انتشار النّار في الهشيم، بدلاً من الألبسة التقليدية المتوارثة التي كانت موجودة، ومُستعملةً، ومنتشرة بيننا، ممّا عرفناه، وألفناه من خِمَارٍ شفيف، ولثامٍ خفيف، وجلباب فضفاض، وحايك محتشم، وأردية مزركشة، وأغطية ملوّنة حسب البلدان، والأوطان، والمناطق، والجهات، والضّواحي، والأرباض، والتي تتعدّد وتجدّد على امتداد السنة، وتغيّرات، وتقلّبات الطقس، وتبدّل المواسم والفصول، إلاّ أننا نعود بعد كل ذلك وذاك لنذكّر في ختام هذه العُجالة بقول الشاعر القديم: إِذا المَرءُ لَم يدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ/ فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ..!

وليس أقبح، ولا أسوأ لدى المرأة، أن تتجرّأ وتقول لها هذا الرداء أو ذاك اللباس، أو ذاك اللّون يليق، أو لا يليق بها أو عليها، كما أنّك لا تستطيع أن تنتقص حبّة خردل من جمالها، أو هندامها، أو منظرها، أو هيئتها، أو مظهرها.

“الرّجل الموضة”

ولقد قيل في هذا الصّدد – والعهدة على القائل – إنّ “الموضة” (التي تأخذ حيّزاً كبيراً من وقت المرأة، وتحتلّ منزلة هامة في عقلها) إنّما هي اسم رجل في صيغة التأنيث..! هذا الرجل يعيش مستتراً، أو متستّراً في مكان مّا من العالم، وهو الذي يوحي للمرأة بأن ترتدي ما يريده هو، وليس ما تريده هي.. وهو الذي يجعلنا نحن نتفرّج، فمرّة يهمس في أذنها بأن ترتدي الطويل.. وتارة القصير.. وطوراً المتوسّط، وقيل إنّ عمر هذا “الرجل الموضة” طويل جدّاً وهو موجود أينما وجدت المرأة.. ولا تفسح مجالاً للشكّ ليخامرك في هذا الأمر، فمعظم مصمّمي الأزياء المشاهير العالميّين هم من الرّجال، وهذا ما يزيد هذه الخرافة حيرة، وإثارة، وسخرية، وطرافة.!

هذا “الرّجل الموضة” لا تقتصر أو تنحصر سخريته بواسطة الزيّ وحسب، بل إنّه يستعمل جميع الوسائل الممكن استخدامها، إنّه يستعمل لهذه الغاية كذلك الأحذية، والحقائب اليدوية، والأساور، والجواهر، واللآلئ، والخواتم والأقراط، والأحزمة، والقبّعات والأوشحة، والنظارات، والعدسات، والمعاطف والسترات، والأعقاد، والرّوائح الزكية، والعطور الثمينة، والماكياج، والأصباغ، وأدوات الزينة والتطرية، والتسريحات، والتقليعات، والمشي، والمايوهات، والرّقص، وفى الحبّ أيضاً.. فكلّ شيء في عصرنا المنكود، وعالمنا الحاضر الكئيب هذا يكاد يصبح خاضعاً، طائعاً، طيّعاً، منقاداً، منصاعاً لهذه “الموضة” اللعينة. ويا له من عبقري ذاك “الرّجل الموضة” الذي تهيم به وبصنعته النساء في مختلف العصور والدهور في جميع أرجاء العالم والمعمور، ويجعل المرأة… وووأسفاه تنساق وراء بريقه وألاعيبه، كالفراشات المزركشة الحائمة حول النّور والنّار… والطامة الكبرى أنّه لا يتورّع من الإيقاع كذلك في شباكه، وكمائنه، وحبائله حتّى ببعض الرّجال، أو بأشباه الرّجال..!

يقول الأديب الزّميل أمين صادق في “الرّجل الموضة” في أحد تعاليقه الطريفة على إحدى مقالاتي السّابقة عن المرأة في جريدة “هسبريس” الزاهرة:

“الرّجل الموضَهْ” يَنطّ كالبعوضَهْ ** يُصمِّم الأزياءَ، يُنظّم العُروضَا

يُحوِّل النساءَ مهوُوسة بِالموضَهْ ** وَدفع الرجالَ لِتطلبَ القروضَا ..

يُروِّضُ الأفاعي، يُدرِّب القرودَ ** يُطاردُ الأفيالَ والذئابَ والفهودَا

لِينزعَ الخرطومَ والفروَ والجلودَ ** يصنع بِها العِطافَ والدّرّ والعُقودَا ..

يُلبِّس الأشباحَ، لا يَستر العيوبَ ** ويجعل التمساحَ على أمْرِهِ مغلوبَا

يَرُدّهُ حقيبَة، أو أحزمَة مثقوبَهْ ** أو يُصيِّرهُ حذاء، يُنتعَل مقلوبَا ..

“الرّجل الموضَهْ” مِشْيَتُهُ ملحوظَهْ ** يصيح مثل بُومَة، يَسِيح كما البوظَهْ

بِسيّارتهِ الأنيقة يُحتسَب محظوظَا ** هاتِفهُ مُذهَّب تُفاحتُه معضوضَهْ ..

لا يكُفّ عن الإشارة بِيَده الممدودَهْ ** يُروِّج العُطورَ والملابس المقدودَهْ

وما يصبغ الشّفاهَ والمُقَلَ والخدودَا ** بأثمنة مجنونة لا تَبرحُ صُعودَا ..

يَستقطبُ القلوبَ لِيَحلبَ الجيوبَ ** ويَخلبُ الألبابَ، يُريدُها مسلوبَهْ

لا يرى في حوّاء عَدا “شيئا” مرغوبَا ** مُناهُ أن تظل -‘واوْ’- دُمية لَعوبَا!

*******

* كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- (كولومبيا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.