وإذا “نـورة” سُئـلـت.. بـأيّ ذنـْب عـُذّبــت

آخر تحديث : الخميس 26 سبتمبر 2019 - 11:25 مساءً
2019 09 26
2019 09 26

زايو سيتي / عادل شكراني

حين راودتني فكرة كتابة قصة خبرية عن الطفلة “نورة”، كنتُ مقيّدا بالكثير من المعيقات، لعل أبرزها يتعلق بماذا يمكن أن تُقدّم لقارئ مصاب بالتُّخمة بمثل هذه المواضيع، في بلد أصبحت “الاعتداءات على الأطفال فيه”، مثل الحديث عن مباريات كرة القدم.

وأنا أبحثُ كيف يُمكنني رسم صورة حية تتسم بالديناميكية، أثار انتباهي وجهها الأسمر البريء وجسمها النحيل.

أنانية منّي أن أحول الحدث إلى قصة خبرية دراماتيكية، للمعاناة التي تعيشها شرائح واسعة من الأطفال بزايو، وُلدوا بهموم الفقر والحاجة، فوجدوا أنفسهم يعيشون في المبني للمجهول.

فضولي الصحفي هو من قادني لزيارة الطفلة في بيتها بحي “قراقشة”، وجدناها تحدق في الأفق، وكأنها تنتظر عودة أحدهم، وأُحدّق أنا أيضا في حركاتها وهي تلمس وجهها المنتفخ وأماكن التعذيب بمختلف أنحاء جسمها، تنحي تارة للجلوس، وتستقيم تارة أخرى لتلتقط أنفاسها دون أن يغادر نظرها عدسة الكاميرا.

تأملتُ طويلاً “نورة” وهي تحاكي عدسة الكاميرا، أقول في قُرارة نفسي هل هي حقا أقل حظّا من أترابها الذين يلعبون ويمرحون، لكنني وجدتها أمام آثار تعذيب جسدي ونفسي، اسودت الحياة في عينيها الصغيرتين اللتان تقولان كل شيء من شدة القهر.

صحيح هي حيّة تُرزق، لكنها تعاني في صمت، تتقلب المسكينة في براءتها بما يكفي لتبتسم لي وأنا أحاول أن ألتقط لها صورة، اكتفت بالوقوف أمام الجدار الاسمنتي للبيت الذي تقطن به، وكأنها تُريد أن تنقل إليّ قلة حيلتها، أو عدم استيعابها لماذا تعرضت لهذا التعذيب كله، ما الذنب الذي اقترفته؟.

أربعُ ساعات قضيناها في بيت الطفلة المكلومة، بدأ الشفق يلوح في الأفق، لوهلة عادت بي خيوط الذاكرة إلى أيام خلت في مكان ما بعيد عن بيتها، تذكرتُ لقاءً حضرته حول مشاكل وتحديات الطفولة، كيف تناقش جمعيات في هذا البلد مقترحات لحل مشاكل الطفولة، وتذكرت في ذات الوقت أيضا دموع الطفلة التي ذرفتها على خديها الشاحبتين وقت تعذيبها.

تذكرتُ التعب والحر والبرد وفي مرّات كثيرة الجوع الذي نعانيه نحن الصحافيون، لنقل حدث ما، فوجدت نفسي أن ذلك لايساوي شيئا أمام معاناتها وشقائها وألمها.

ضغطُّت على زر الكاميرا طويلاً، لتقول “نورة” شيئا وأشياء لتتحدث عمّا يجول خاطرها من آهات وتوجسات، رجعتُ إلى مقر الجريدة الالكترونية، لأُحرر هذه القصة الخبرية الإنسانية، انتصاراً للبراءة، فضاعت أحرُفي مع كلامها.

عدتُ إلى منزلي وأنا منهك، الطفلة مازالت تتألم من الكدمات والجروح، لا أعرف كم هو حجم المعاناة الذي تتجرعه، ما أعرفه أنني نجحت في التطفل عليها بقلمي، هي وحدها عندما تكبر ستحكم على ذلك، كم وجدتُ نفسي صغيراً أمام هذه الكبيرة، وكم كانت كبيرة هي بتخطيها للألم والمعاناة و الكآبة الخرساء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.