زايو سيتي:ذ. اياو حكيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وبعد:
عباد الله:
تشهد العديد من الطرق يوميا وقوع الحوادث المرورية التي يكون سببها الرئيسي فيها الإنسان لعدم درايته بخطورة الأخطاء التي يرتكبها أثناء استعمال الطريق.
لقد كرم الله الإنسان تكريما، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا فقال جل وعـلا: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ سورة الإسراء.
فربنا الكريم خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه وشرفه، وسخر له ما في البر والبحر والجو، ورزقه من الطيبات، وفضله على سائر الخلق وأغدق عليه من النعم ما لم يؤتي الأولين، ومن جملة النعم التي سخرها الله تعالى لهذا الإنسان في هذا العصر وسائل النقل الحديثة البرية والبحرية والجوية: من سيارات وقطارات، وغواصات وسفن جاريات، وطائرات… فطويت لهذا الانسان الأرض طيا، فتحقق له ما وعده به ربنا في كتابه، إذ يقول عز وجل:﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون﴾ سورة النحل.
فإذا كانت هذه الوسائل من أعظم نعم الله علينا، فالواجب على المؤمن شكر الله عز وجل عليها، فذلكم هو سبيل المحافظة عليها ومباركة الله لها، قال الله تعالى:﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) سورة ابراهيم.
فهل يتحقق شكر الناس لربهم على ما أنعم به عليهم من وسائل النقل وأنواع المركبات المختلفة؟ للأسف هناك تصرفات كثيرة لا يرضاها الله تعالى تتسبب في إزهاق أرواح بريئة تصل إلى آلاف قتيل سنويا في العالم عامة وفي بلدنا خاصة فضلا عن الجرحى والمصابين بالإعاقات المختلفة ، لقد تزايدت حوادث السير وتكاثرت بشكل رهيب حتى سميت بحرب الطرق، لما يترتب عليها من الآفات، وما يحدث عنها من العاهات، وما تحصده من الأرواح كل يوم وكل ساعة وكل لحظة. وهذا منكر عظيم وفساد كبير لا يقبله الدين، ولا يرضي رب العالمين ﴿والله لا يحب الفساد) سورة البقرة.
وأسباب هذه الكوارث، منها ما يرجع إلى السائقين، ومنها ما يرجع إلى الراجلين، ومنها ما يرجع إلى الطرقات. لكن السبب الرئيسي هو الإنسان، قال جل جلاله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ سورة الروم.
فبالنسبة للسائقين: هناك من يسخر سيارته أو مركبته في معصية الله، ومعاقرة الخمور والمخدرات، ويسعى بها في الفساد، وكثيرا ما يتخذها بعض الشباب خصوصا للهو والعبث.
وهناك من لا يبالي بالإخلال بقانون السير فيسوق سيارته بسرعة مفرطة ولا يكترث بالإشارات ولا يهتم بحالة مركبته الميكانيكية وغيرها، وبعض السائقين يسير في ممرات الراجلين وساحاتهم المخصصة لهم، وفي السوق بين النساء وفي الشوارع المؤدية إلى مؤسسات التعليم فيتسبب في إصابة المواطنين والمواطنات ويلحق الأذى بهم.
فأكثر الحوادث تنشأ عن عدم إعطاء الطريق حقه، حيث يلاحظ كثيرا عدم استعمال الرصيف والممرات الخاصة بالراجلين، ونجد من يلعبون وسط الطريق، ومن يعبرون الطريق بلا مبالاة، وقد تنشأ الحوادث عن سوء تقدير الراجلين لمسافة توقف السيارات..
وعموما فعدم احترام قانون السير وعدم تطبيق قواعده وعلاماته، وتهور مستعملي الطريق من السائقين والراجلين، وعدم التخلق بالأخلاق وعدم الخوف من الله، هي أهم الأسباب التي تؤدي إلى حوادث السير، وهي حوادث لا تقتصر خسائرها على الجروح والخسائر المادية، بل تتعدى ذلك إلى خسائر في الأرواح، ومن قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا وما أكبره من جرم وما أعظمه من ذنب.
إن المقصد العام للشريعة الإسلامية هو جلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم في العاجل والآجل.
وبفعل التطور الحاصل في بنية المدن والتجمعات السكنية ووسائل النقل المختلفة، فقد اقتضت المصلحة وضع تقنيات تنظم السير في الطرقات، وترشد إلى كيفية استعمالها، من أجل الحفاظ على الأرواح والسلامة من الحوادث، وهي التي يصطلح عليها بقانون السير: هذا القانون الذي يقوم على مراعاة بعض الضوابط والمحددات كحمولة السيارات والعربات المختلفة، والمراقبة التقنية لها، واحترام العلامات الطرقية التي هي من وضع لجنة من الخبراء، اختبروا الطريق ومنعرجاتها ومنخفضاتها ومرتفعاتها، وازدحامها وشساعتها، ومواطن مرور الراجلين، وأسواق الناس، ومدارس التلاميذ.. فحددوا لكل مسار ما يناسبه من العلامات التي تنظم السير فيه.
فهذا القانون مصلحة في مضمونه ومنفعة في تجلياته، لكننا للأسف نستشعره قانونا غريبا مستوردا أكثر من استشعارنا لوجه المصلحة فيه.
إنه قانون يهدف إلى الحفاظ على النفوس والأرواح التي تمثل واحدة من الكليات الخمس الكبرى، ويقصد إلى تحقيق مصالح كلية لا تناقض مقاصد الشريعة وأصولها، ومن ثم يجب الأخذ به ومراعاته لما فيه من الخير والنفع باعتباره قانونا شرعيا لا يختلف عن التشريعات الإسلامية الأخرى، إذ من شأن الملتزم به أن ينال الأجر والثواب، وكل إخلال به يعرض صاحبه للإثم والعقاب بالإضافة إلى المؤاخذة القانونية والغرامات المالية المقررة، ولهذا ينبغي الالتزام به واحترامه كما يحترم المسلم المقررات الشرعية الأخرى.
لهذا ينبغي لكل مستعمل للطريق أن يعلم أنه مسؤول عن أفعاله وتصرفاته أمام الله أولا وأمام المجتمع ثانيا ، وسيحاسب على ذلك عند لقاء ربه، مصداقا لقوله عز وجل: ﴿ولتسألن عما كنتم تعملـون ﴾ سورة النحل، ومن أخل بمسؤوليته وقصر في واجباته فإنه مشارك في إزهاق الأرواح البريئة وجرمه عند الله عظيم.
فما أحوجنا إلى استشعار هذا الأمر حتى نغير سلوكنا ونحسن تصرفنا، ونحترم حق الحياة لكل الناس، ولا نعتدي على حقوق الآخرين ولا نؤذيهم.
فالطريق ملك عام مشترك بين الناس، فلا نتصرف فيه بالأنانية، بل نتسامح ويتنازل بعضنا للبعض من باب أخلاق الإسلام وآدابه التي تجعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم جسدا واحدا كما في الحديث الصحيح.
لهذا لابد من معرفة حقوق الطريق والالتزام بقوانين السير وضوابطه، كاحترام إشارات المرور وتحديد السرعة وحق الأسبقية، والتأني في السياقة، وصيانة الوسيلة المستعملة، وعدم استعمال الهاتف النقال أثناء السياقة، ولنتواصى بذلك ونربي الصغار عليه لينشأ الجيل الصاعد عارفا بقواعد السير في الطرقات محترما لقوانين استعمال الطريق.
والله الموفق للخير وهو يهدي السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.








