إلى الوليد ميمون- رسالة من شاعر بالذنب إلى شاعر في المهجر

آخر تحديث : الثلاثاء 18 أكتوبر 2011 - 2:28 مساءً
2011 10 18
2011 10 18

حفيظ  أدراز

لقد رحلت إذن وربما حذرت نفسك من مغبة الحنين و حماقة العودة. رحلت دون ضوضاء أو لغط “بنكران ذات أفلاطوني “نادر, دون أن تحرج أحدا بوداعك ممن عايشوا تجربتك و امنوا بها و أنا بدوري لن أحرجك وأنت هناك بالحديث عن الوطن و الجذور مثلما يحل للجدات الطيبات. لن أعاتبك على هذا “الهروب العظيم” و لن أطالبك بالعودة كما كنت تفعل و أنت تغني إحدى قصائدك في تلك الثمانينات العصيبة و لن اسمح لنفسي احتراما لها و للجدات و لتاريخك بان أعطيك دروسا في الحنين و الذكريات,ففضائل الاغتراب و امتدادك في الزمان و المكان أعمق و أجدى لك من أن تختزل كينونتك في تاريخ قبيلة جارت عليك او في ذاكرة مكان رغم رحابته لم يسعك, هويتك الآن حريتك  وحسبك انك انسحبت بصمت نبيل من مشهد عبثي و أطلقت الرصاصة الأخيرة على وضع رديء لم تتحمله و لم يتحملك.

أنت الآن تحت سماء أخرى في بلاد “روبانس” و “بريل”,في الأرض التي آوت الشاعر الثائر”هيجو” عندما كانت تتعقبه أذناب إمبراطور خاسر.أنت الآن في قلب حضارة آمنت بالفن بقدر ما آمنت بالإنسان.

لعلك الآن تتسكع بحواس متوقدة في شارع ستالينغراد ببروكسيل مستمتعا بمهارة الغجر في محاورة الجيتار و صناعة الفرح في الهواء الطلق و هم يغنون انخطافات” جولييت غريكو” و الآم” ازابيل بانتوخا” او لعلك في محطة الجنوب تحتسي القهوة و ترغي بلغة “براسانس” و”غانسبوغ” مع الكاتبة الساخرة المثيرة للشهوات و الجدل “أميلي نوطومب”. لن أسترسل في هذا الكلام حتى لا يرتاب بعض الوطنيين جدا فيرموني بتهمة الولع بالغرب وامتداح الاغتراب وتسفيه جهود الدولة في التربية على المواطنة.

لقد رحلت الآن و كان ما كان , رافضا أي هدنة أو تطبيع مع السطحية و العبث و اللامعنى. ذهبت تاركا خلفك مدينة تكاد لا تصلح للاستعمال الآدمي , مقطوعة الجذور , بلا قلب و لا فكر ولا ذاكرة في قبضة المغول الجدد قارونات الذهب وبارونات الحشيش و لاحسو الأحذية المخزنية.

لم تكن تجربتي أقل “كافكاوية” على الأقل بالنسبة لي كشاعر سابق او فاشل بمعنى من المعاني, فقد بدأت وأنا طالب اكتب الشعر , نشرت بعضه في صحيفة “أنوال” و في بعض صحف اليسار

شاركت بعدها في الأمسيات الاوطمية بكلية الآداب بوجدة وفي ربيع الشعر الذي كان ينظمه وقتذاك فرع اتحاد كتاب المغرب, آزرني بعض الأصدقاء البنيويين عندما ازدراني بعض”المشائين” ولما أخذت تجربتي الشعرية تنضج على نار الأسئلة الوجودية انهار اليسار في “فياسكو” التناوب,فتنكر لقيمة الالتزام و اسقط من حساباته الهم الثقافي مؤثرا الاحتراق كفراشة وردية في جبهة الصراع على المواقع و المناصب و بذلك ولى زمن الفن الجميل فاسحا المجال لأشكال” فنية”هجينة جاء بها عصابة من مفسدي الذوق العام باسم الحداثة و احلام العولمة, غلمان البولفارونسانيس التيكتونيك ومطربو العلب الليلية بأصواتهم التي خربها الويسكي ومتعهدي السهرات للنجمات المنفوخات بالغرور و السيليكون و مخرجو أفلام من الدرجة العاشرة و نقاد “موسوعيون” بنصف لحية و ربع موهبة.

ولأني لست من المؤمنين جدا بمقولة أن النجاح انتقال من فشل إلى فشل بحماس كبير , تخليت عن الشعر وآويت إلى الظل عندما كان لا بد ان تتأزم الحالة الذهنية وتتراكم الأسباب الموضوعية ليتأثر إيماني به كأداة للتعبير فضلا عن أن يكون قوة للتغيير, ماذا و من ستغير بالشعر في مجتمع نصفه أمي و نصفه المتعلم يقرا نصف صفحة من النثر و يصرف نصف درهم على الثقافة في الشهر حسب الإحصائيات.

أنا لا أحاول أن أفلسف هزائمي الصغيرة و لا أتعمد السوداوية حتى أبدو عميقا غير اني استطيع الزعم أن أمثالي ممن واجهوا هذا المصير المضحك كثيرون وهذا عزاء لا أهضمه.

لهذا كله التمس منك أصالة عن نفسي و ليس نيابة عن أحد ألا تعود و إن كان بإمكانك أن تذهب أبعد، طوبى لك, كن لنفسك و لغيرنا فقد عشقنا أغانيك و قدرنا موهبتك في الماضي ونخشى عليها الآن منا. لقد فسدنا من الداخل,أصابنا فقر في الدم و الجمال و الخيال,لقد تغيرنا كثيرا.

هل كان شكري محقا حينما قال ذات اشراقة “إننا ما نصير اليه” .

maupassant16@hotmail.fr

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقاتتعليقان

  • تحية المجد و الخلود للفنان الأمازيغي الوليد ميمون
    اعطيت الكثير لبلادك ولم يعطيك شيئا
    بلاد الله واسعة
    والعالم قرية صغيرة
    اينما كنت سنتتبع صوتك ايها البطل الريفي العزيز على قلوبنا
    اطال الله عمرك

  • رحم الله ايام الوليد ميمون رمز الاغنية الامازيغية الملتزمة ، ايام عبد الكريم الخطابي والكندي وطريق ازغنغان ، ايام دار الشباب بالناظور مع المجموعات الريفية المعروفة آنذاك ، بكلمات بسيطة والحان ابسط وتجاوب جماهيري واسع ، ايام كانت المواقف تتخذ ولا تشترى ، رغم الفقر رغم الجوع رغم التشرذم الذي كنا نعيشه لكنه يبقى زمنا جميلا لروح التضامن التي كانت بيننا