متاهات في غابة النفوس “جمال فاطمة “

آخر تحديث : الجمعة 16 سبتمبر 2011 - 10:18 مساءً
2011 09 15
2011 09 16

متاهات في غابة النفوس – عمود أسبوعي حصريا على زايو سيتي

قلم – سعيد صغير مربي ومرشد إجتماعي بألمانيا

العمود الثاني : جمال فاطمة

فاطمة فتاة جميلة، في مقتبل العمر. تحب الوجود والحياة. قامة متوسطة، جسم نحيل، شعرطويل كثيف أسود كليالي الشتاء الباردة ، مسدل على الكتفين دون تكليف. وجه حزين هاديء، تحتله عينان فحميتان في عمقهما بحر من أسرارالنفوس الأبدية، بجفون جامدة فيها تساؤل عن سر هذا الوجود. شمالا حواجب سوداء ساحرة، وجنوبا أنف رقيق، ثم فم  بشفتان ورديتان رقيقتان، تنساب منهما إبتسامة حلوة فاترة ، تحجب ورائها أشواقا أزلية. فاطمة تحس بآلام خرساء تعشش في نفسها وتثور كالبراكين على جنباتها، وتشعربانقباض شديد في صدرها المليح. العالم كله لا يسع للضغط  القابع في جوفها. آمال مؤلمة، وأفكار مريرة،والحيرة والإلتباس، رسوا بها في ساحل اليأس والقنوط. شجاعة فاطمة وجدها وأملها، حلت مكانها كآبة عمياء، تؤلم قلبها في وحدة قاتلة.

الدنيا شتاء، فاطمة تمشي على شاطيء البحرفي سكون، ’’كم انت قوي أيها البحرالكبير’’، أمواج تعانق الصخور في شوق وحنين، نسيم بارد يداعب وجه فاطمة الأبيض المليح، يمنحها إحساس بحنان فقدته منذ حين، ويجعلها تشعر بانتماء الى هذا الكون السرمدي العظيم. قطرات ماء مالحة تتساقط على خديها كقبلات الحبيب، ثم تسيل مثل دموع أم فقدت ابنها الوحيد. أشعة شمس فاترة تابى إلا أن تزرع دفئا فارق جوف فاطمة منذ زمن بعيد.   ’’ ظمني يا بحر بذراع موجك القوي إلى صدر عمقك المليء بالخبايا والأسرار، خذنى معك إلى الضفة الأخرى لأرى ما وراء الشفق الأزرق البعيد. خذني مع أمواجك العاتية، إلى حيث تنساب برقة ولطف على أناس فهموا معني الحياة’’.

مضت أيام وفاطمة تجالس الأمواج، تناجي البحر وتبوح له بأسرارها الدفينة. جبروته يستهويها ويستميلها بعيدا عن عالم الضعفاء. عالم المحرومين، والأرامل واليتامى والمشردين، الذين ليس لهم طعام إلا من دقيق، يشبهون في وجودهم الفئران. الحليب والجبن على التلفاز يرونها ،و الخضر والفواكه والأسماك في الأسواق يرمقونها، واللحوم في المناسبات والأعياد يذوقونها.  أهل الضفة الشمالية يسمونهم أصحاب الضهور المبللة. يأتون بالمئات على متن قوارب الموت؛ عفوا، قوارب النجاة. نجاة من الفقر والظلم والإحتقار والإظطهاد والفساد والخوف…… وكل خبيث قد تحس به نفس بشرية.

تسائلت فاطمة مع نفسها: ’’لو ألقى كل واحد منا بحجرة في هذا البحرالعميق، لتجمعت الأحجارلتكون جسرا للنجاة، نعبر فوقها بكل أمان’’. لكنها إستدركت في الحال: ’’ الأخرون سيكدون ويجدون في إخراج هذه الأحجار من جهتهم، تفاديا لتطورها إلى وسيلة عبور’’. كادت فاطم أن تفقد الأمل، إلا أنها تذكرت الهياكل العظمية وجماجم ضحايا العبور، التي ترسوا في أعماق البحر؛ انها ستصعد يوما شيئا فشيئا على شكل طبقات ،لتكون معبرا آمنا للأجيال القادمة. فنحن هنا نمشي فوق الجماجم البشرية. وندوس المشاعر ونقهرالارادات ونبدد الآمال.

قررت فاطم أن تغادرهذه البلاد، لتنجو بنفسها من عمالقة الظلم وأبطال الفساد، من ذوي البطون الكبيرة والعقول الصغيرة، والنفوس المعوجة والاخلاق الفاسدة. حبها للبحار، وخوفها الدفين من الأيام القادمة، وما قد تجلبه من حزن وظلم وإحتقار، جعلتها تمطتي قارب النجاة، غير مبالية بالأخطار. هذه هي المرة الثالثة، التي تمطتي فيها الأمواج العاتية، للوصول إلي الضفة الشمالية.  أهل هذه البلاد أخلاقهم مزدوجة و قلوبهم قاسية؛ طردوها للمرة الأولى والثانية، لم يشفع لها  جمالها الذي أعجبهم ولا شبابها الذي سحرهم ولا إستنجادها الذي كاد يمزق قلوبهم.

قارب خشبي صغيرإمتلأ بأجسام بشرية نحيفة إلتصقت في ما بينها. رجال ونساء، أباء وأمهات، فلاحون وحرفيون، لصوص ومجرمون. أحست فاطمة بينهم بأمان ليس له مثيل. وشعرت بانتماء الى هذه المجموعة البشرية الضعيفة، شعور لم تحس بمثله في مشوار حياتها  الطويل. في ظلام حالك مخيف وصمت مطلق رهيب تحرك القارب الصغير في إتجاه الشمال البارد المظلم البعيد. أمواج من المشاعر والأحاسيس في أعماق فاطمة، سيل جارف من الذكريات يمر أمام عينيها في سرعة البرق ليعود بها الى أيامها الفانية.

في الغد اشرقت الشمس مرسلة أشعتها الخافتة، مبشرة بحلول يوم جديد دون فاطمة. إنفزع الحرس عند رؤية جثة هذه الفتاة الجميلة. ’’إنها فاطمة أجل هي هي’’ تعرفو على جمالها الذي كانوا به معجبون، وتاكدوا أنهم ألقوا بها مرتين الى قاع البحر وهم لا يشعرون. أليس هؤلاء قطاع طرق جاهلون؟ دفنوا قلبا شابا محبا، يفيض بالتضحيات، وعقلا ذكيا أبى أن يستسلم للمرجعيات.

الغريب الغريب أن القوانين البشرية في هذه البلاد الشمالية، لا تعاقب على مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية.

saghir@web.de

العمود  الاول : شديد العقاب

http://www.zaiocity.net/?p=17949

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات6 تعليقات

  • مقالة جيدة

  • كانت ستنجو فاطمة لو سمح قلمك وأخذها وسرح بها في غيابت الحب…..لكانت نهاية جميلة
    أنت الشمال، وأنت الجنوب وأنت اخترت البحر وألقيت فاطمة تحت عجلات القارب البعيد….العميق وتأتي تنثر حبرك دمعا يبكيها
    ما هكذا كان عليك أن تعمل بفاطمة ….كان عليك أن تجد لها حبيب يغنيها عن الشمال
    مع تحياتي

    • نقد موظوعي هام جداً
      أعدك أنه سيؤثر في مقالاتي المستقبلية
      دمد قارئاًً ناقداًً
      وشكراًً

  • hi i liked your article verry much, but i think that the end is verry sad.

    • you’re right it’s a sad ending,but it’s reality,stuff like that happened and will continue to happen in our non democratic country

    • هذه طبيعة المتاهات يا عزيزتي سهم. لكن اعدك في الحلقة القادمة بنهاية سعيدة وساخرة