الحكاية الرابعة – موتور عمي

آخر تحديث : الثلاثاء 9 أغسطس 2011 - 12:02 صباحًا
2011 08 09
2011 08 09

بين العصر والمغرب  سلسلة قصصية للصحفي والقاص المغربي محمد سعيد الوافي ، نظرا للنجاح الباهر الذي حققته  . تعيد زايو سيتي نشرها لمن فاتته فرصة  الإستمتاع بها

محمد سعيد الوافي – واشنطن 

كان لأبي عم مات  رحمه الله  وكنت أعتبره من أحب الخلق إلى قلبي . كريما مبتسما ، كثير الكلام ، سريع الغضب والسماح  وفوق كل ذلك كان يملك موتور موبيليت .. وكم كنت أشتاق لزياراته لبيتنا ، لا لشيء سوى لأنه كان يحضر لنا ما لذ وطاب من الفواكه من موز وتفاح وعنب ..كان الرجل يعمل في دكان لبيع الخضروات بسوق الفندق وكان دكانه ملتصقا بباب سوق السمك ..كان رحمه الله مدخنا شرها وكثير الولع بسراويل الجينز والمعاطف الجلدية التي كان يتصيدها بالسوق الداخل .. وهو مقر أهم البضاعات المستوردة، المهربة منها وتلك التي كانت تحملها سيارات جالياتنا المهاجرة بالخارج ، لتتلقفها أيادي التجار بين مزايد ومزاحم .. فبقايا ما لبسه الأجانب كانت في عرف التجار بضاعة لا يجوز التفريط في الفوز بها.

 

لكن أهم خاصية كنت أحبها في عمي ( عم أبي ) هي سياقته لدراجة نارية عتيقة من نوع موبيليت لطالما أركبني فيها من وراءه وأنا في صباي المبكر كان رحمه الله يربطني بأحزمة حتى لا أسقط فكنت أمسك بعنقه وتلابيب ثيابه وأحشر وجهي الصغير في ظهره فتتسرب لأنفي تلك الرائحة المميزة ..التي كنا نسميها رائحة عمي .. وهي مزيج من رائحة الدخان ممزوجا بعبق سوق الخضار بكل مكوناته .. ومازالت ذاكرتي تختزن تلك الرائحة التي تعيدني لسنوات لا أذكر منها الكثير.لكن قلبي مفعم بجماليتها.

زارنا عمي ذلك اليوم ، وكنت يومها لا أتجاوز الثمانية أعوام .. وقد انخرطت في الركض واللعب والقفز من هذه الشجرة إلى تلك مستعرضا مهاراتي في تقليد طرزان . حين سمعت هدير عجلته وهو يصفها عند الباب ..اسرعت مع أخواتي لتقبيل يده واستيلام الهدايا ..فوقعت عيني على الموتور ولم تكن المرة الأولى التي ننتظره ليدخل البيت فنحول دراجته النارية إلى لعبة مسلية يكون لي فيها دور السائق فيما تركب أخواتي معي فأمثل دور عمي وأنا أدعي بأنني أطوف بهم المدينة من أقصاها إلى اقصاها.

–        بعدو من الموتور ديال عمكم .. هانتوم مش تطيحوه عليكم

–        ولا آ العزيزة .. ما تخافش كنعرف نسوق الموتور ..

–        والله يا باباك حتى نجي نوريكم الشغل ..يا الله نزلو

دخلنا البيت وكان الجميع متحلقا على طاولة الإفطار ..فصعدنا للسطح لترقب  المدفع .. وكانت تلك عادتنا أن نتسابق الواحد تلو الآخر لنزف ساعة الإفطارللكبار .. لم تكن عقولنا الصغيرة تستوعب أن الكبار كانوا  أكثر منا ترقبا لصوت مدفع الإفطار ولهفة لسماعه.

تسللت من غرفة الجلوس .. وخرجت من الباب الخلفي وما هي إلا ثواني حتى كنت أعالج محرك الدراجة فلم أوفق رغم محولاتي المتكررة .. فتذكرت أن عمي كان يمسكها ويمشي بها نحو المنحدر .. لم أتردد في تطبيق ما اذكر مشاهدته فسحبت البنزين وركبت الدراجة فطارت بسرعة لم أتوقعها .. أحسست بنشوة وانا أتقن قيادتها دون أدنى مشكل عبرت الشارع الرئيسي بسرعة جنونية وسمعت من ورائي محماد البقال وهو يصيح

–        سعيد .. سعيد .. آ وقف .. آ وقف

لم اعره اي اهتمام فطفت الحي وأنا أسير في اتجاه واحد لم أعرج لا يمينا ولا يسارا ..كنت أشد المقود نحوي فكانت الدراجة تزداد سرعة .. كان الطريق مستقيما من بيتنا وإلى غاية معمل النسيج بضواحي المدينة .. بدات أصرخ وابكي وانا لا أدري كيف اقلل من سرعة الدراجة .. لمحت من ورائي رجل درك وهو يصيح بكل ما أوتي من جهد

–        ما تجبدش الغاز .. نقص .. دور للقدام ماشي لعندك

كان يكلمني وهو يسير بمحاذاتي على نفس السرعة .. أحسست أن الأمر قد تطور واصبحت الآن معرضا للمسائلة .. فرغم صغر سني أدركت أن هذا الدركي لا محالة سيسجنني ومن المؤكد أنه سيخبر أبي ..

فقمت بشد صمام الغاز نحو الأمام فإذا بسرعة العجلة تتراجع .. أعدت العملية اكثر من مرة فأحسست أنني أتحكم في العجلة أكثر .. فقررت أن الهرب وبأي وسيلة سيكون هو المخرج .. التقط عقلي الفتي أسلوب المناورة بالعجلة ففي تلك السن المبكرة كنت أتقن ركوب الدراجة الهوائية .. وبتعرفي على تقنية التحكم في السرعة تأكدت أن الأمر سيان .. لمحت الدركي وهو يتجاوزني بمسافة لا بأس بها ثم وقف في منتصف الشارع ليساعدني على الوقوف ، لم يترك لي أي حل آخر سوى الإصطدام به والهرب .. حاولت تفاديه لكن دون جدوى .. ساعتها قمت بشد صمام البنزين نحو أقصى سرعة وعند أول منعرج قللت السرعة ودخلت صوب اليمين وبعده نحو اليسار وقد تعودت المناورة كنت أسرع بجنون فدخلت في طريق ترابي منحدر مما زاد من سرعة الدراجة وما هي إلا برهة من زمن حتى وجدت نفسي داخل براكة ( كوخ ) كان أهله يجلسون على مائدة الأكل اصطدمت بالمدخل وتجاوزته نحو الداخل مقتحما الألواح والأخشاب.. وقد تناثر صفائح القصدير والجميع يصيح هلعا..

وقعت على الأرض .. وكأن شيئا لم يحدث وما أن استكملت الوقوف حتى أطلقت رجلي للرياح هربا .. لم احس بأي الم في تلك اللحظات وكان كل همي هو التخلص من سكان المدشر الذين كانوا يلاحقونني وهم يصرخون .. لم أصمد سوى دقائق قليلة وانا احاول مراوغتهم لأجد نفسي مطوقا من كل جانب .. كنت أنزف من رأسي ومن يدي وقدمي .. فسقطت على الأرض .. وانا أصيح ..

–        وا الموتور د عمي .. فاين الموتور د عمي ؟

–        وعلاش نتينا آ العايل خليتي فباباه ما يتجمع ؟

مسك بيدي شخص متوسط العمر .. لم يمسني بأي أذى .. وبدا يسألني عن إسمي وعنواني

–        أنا ولد بال فلوري.. والموتور د عمي ..

–        ونتا سرقتيه لعمك .. هضر .. تكلم .. راه كلشي ماش يتعرف.. ولد من انت فبال فلوري

–        والله يرحم باباك آ الشريف .. راه با ماش يقتلني ..

–        وملي نتا عارفو ماش يقتلك علاش عملتي هاد المصيبة .. والبراكا إلي كنتستر فيها أنا ووليداتي .. شنو ماش نعملو فيها

–        أنا ..

–        انت شنو .. ؟؟ أنت جن ؟ عفريت ؟ انت بنادم ولا منين نزلتي علينا فهاد الليلة الكحلة ..؟.!

رأيت الدركي وهو يقترب مني وكنت أجلس على الأرض …

–        هاي هاي هاي على العايل دريوايا…(بطل الفيلم ) واش كتعرف شنو عملتي ..

–        عرفت .. عملت كصيدة معاك

–        عملت كصيدة .. ؟؟ هههههه يا الله وقف .. وقف ..

–        ما يقدرش آ الشاف .. راه رجلو تنفخات ..

وضعوا على راسي ضماضات بعد أن حشو الجرح الغارق بمسحوق الفلفلة الحمراء ( التحميرة ) كنت أصرخ وأناشدهم .. فأحسست أن الأمر اكثر خطورة مما قدرته .. تذكرت عمي وأبي وجدتي .. كنت تائها بنظراتي وألمي .

مسك بي رجل الدرك وأركبني إحدى السيارات الخاصة .. كان السائق بدويا من المدشر

     –   خاصك تقولي فين داركوم ؟

–        كنسكنو فبال فلوري

–        فين فبال فلوري؟

–        فالأول ديال العقبة دموستارخوش.. قدام السهريج ديال الماء

–        مزيان .. واش عارف بأنك غدي تمشي لدار الدرقاوي ( الإصلاحية )

–        علاش ..آ الشاف .. سامحني هاذ المرة .. والله ما نعاود

–        نسامحك .. وشكون لي غادي يصلحلي الموتور ديال الدولة ..وشكون لي غادي يخلص للناس براكتهم .. راك كحلتيها .. وغير وجد راسك للهرمكة ..

وصلنا المنزل .. فلم أرى الأنوار .. دخلت وأنا أصيح باسم جدتي .. فرايتها رحمها الله مهرولة نحوي وهي تصيح

–        الله يا وليدي .. آشمن مصيبة عملتي عاودتاني.. شكون لي دمالك وجهك .. شنو عمل آسيدي ؟ ( تسأل الدركي )

–        إيوا .. عمل مصيبة آ لالا .. ما فيها ما يتعاود .. كان هربان بموتور ودخل فييا وهرس ليا الموتور ديال المخزن وزاد كملها هرس باراكا ديال الناس .. المهم عمل فضيحة ما فيها ما يتجمع .. فين باه ؟

–        الله يا الشريف باه راه غادي يحماق ..مشا للسبيطارات و للكوميساريات يفتش عليه هو وعمو والناس ديال الجيران ..

–        ما شي مشكلة آ لالا .. غادي نكلمو الشرطة ونشوفو شنو المعمول

–        الله .. يا ربي .. وانت آ ولد غير كحلة فكحلة .. ما كتعطيش الراحة شويا .. اليوم يا باباك غادي يطيب ليك ترمتك بالعصا ..

–        رغبو ..رغبو .. آ العزيزة الله يعطيك الجنة .. ى الله انا كنموت أ العزيزة .. آ الله راسي

بدات اعزف على وتر جدتي وحنانها ..وكم كنت أتقن عزفه

–        الله يعطيني الموت باش نرتاح منك ومن فضايحك .. شحال قدي ما نرغب وشحال قدي ما نغطي .. دبر راسك .. بينك وبين باباك

أسرعت للداخل وارتديت اربعة سراويل وثلاثة قمصان وجاكيت شتوي وأنا أستعد للمصير..كان الدركي يجلس عند مدخل البيت مع الرجل البدوي وقد قدمت لهما جدتي بعض الشاي .. كنت استرق النظر من وراء باب غرفة جدتي وأذني على الباب في انتظار أن يدخل أبي ..كانت تلك الدقائق من أطول ما دقت ساعة عمري .. جال ذهني في كل حدب وصوب .. فكرت في الهرب ولكن إلى اين ؟ فكرت في الإختباء لكن ..نهايتي أن أمسك

نمت ليلتي تلك في الكانيف ( الحمام)  وانا أستمع لحوار ساخن بين جدتي وأبي وعمي .. كان عمي يساند جدتي في كون الضرب ليس بالحل الأنجع .. بينما كنت أسمع عمي وهو يردد مرارا بأن الدراجة لا تهم وكان يحمد الله على نجاتي

–        الله يا ولدي .. خرجو من الكابينة ..دبا يركبوه الجنون \

–        هاذا غادي هو غلي ماش يركب فينا كلنا الجنون .. خلي باباه يتربى.. هادشي كلو بسبب الفشوش ديالك آ يما ( يما .. تعني أمي بلغة أهل الشمال )

–        وعلاش كتعدب راسك آ ولدي .. قتلو ورتاح .. ولا عطيه لدار اليتام ملي ما عندك قلب على ولدك ..الله أولدي راه  ما شي هاكدا كتكون الترابي .. هدر معاه .. نصحو .. كلمو

–        آش غادي ننصح .. واش أنا مسالي .. الله يا  ربي

كان أبي يعلم جيدا أنني لا أخاف من شيء في الدنيا  أكثرمن رعبي من الفئران و لم أسمع في ظلام الحمام ما يوحي بوجودها ..لكنني وتفاديا لأية مفاجئة تسلقت في ماسورة الماء وجلست على حافة الشباك من الداخل .. كانت رجلي توجعني وأحسست بالدم ينزل ساخنا من رأسي منسابا على خدي .. لم أتمكن من النوم فقضيت الليلة معلقا مثل قرد في الشباك .. وعند السحور فتح الباب .. فدخل أبي وأشعل النور ثم رفع رأسه ليراني في ذلك المنظر..طلب مني أن انزل ، أدخلني نحو غرفة الجلوس وقامت جدتي بتضميض جراحي .. بينما حملني هو نحو مستشفى القرطبي لوضع الجبس برجلي..

كنت لا أزال أشك انه سيضربني وكان ذلك كل همي .. لكنه لم يفعل ..كلمني كثيرا عن مشاكله وعن ضرورة أن اتعقل واتصرف بحكمة وان أنتبه لدراستي ..لمحت عيناه وهو يتفحص جرحي .. سمعته وهو يتنهد من أعماقه متألما

–        الله يهديك أولدي .. الله يهديك راني خايف شي نهار نعطيك شي ضربة نقتلك ونمشي عليك للحبس

–        نعم .. أبا .. والله ما نعاود .. آخر مرة

–        واخا ..دبا نشوفو .. دابا نشوف

ولم تكن آخر مرة ..وجاءت بعدها مرات ومرات ومرات .. وكل مرة كنت أردد نفس العبارة ونفس الوعد ..

تحمل والدي يومها مصاريف إصلاح دراجة الدركي ودراجة جدي وإصلاح الكوخ .. وفوق هذا وذاك .. فاجئته صباح اليوم الموالي وهو يرفع يده للسماء بعد صلاة العصر

–        الله يرضي عليكم آ وليداتي .. الله يرضي عليك آسعيد ..الله يهديك أولدي الله يرد بك لطريق الخير

ادركت ساعتها ان أبي ليس بذلك الشخص القاسي .. ويا ليتني لم أكتشف ذلك لأنني لم اتأخر في استغلال هذا الضعف أسوأ إستغلال. لضيف لشيطنياتي اروع التحف واغرب القصص ضرب بها المثل في الحي وباتت روايات للتندر تتمتعون بفصولها أنتم اليوم بعد أربعين عاما.

شكرا على متابعتكم أعزائي ،إلى اللقاء غدا مع حكاية او فضيحة أو فلقة جديدة

رابط الحكاية الاولى

  http://www.zaiocity.net/?p=14871

رابط الحكاية الثانية

http://www.zaiocity.net/?p=15122

رابط الحكاية الثالثة

http://www.zaiocity.net/?p=15427

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.