سحر كلمة ‘إرحل’

آخر تحديث : الإثنين 11 أبريل 2011 - 5:07 مساءً
2011 04 11
2011 04 11

د. يحيى اليحياوي

-1-

ليس للكلمات سحر في حد ذاتها، أو سر كامن فيها، يميزها عما سواها من مفردات اللغة. إن سحرها إنما يتأتى لها من قدرتها على اختراق المشاعر، وإلهام النفوس، وإدراك القلوب والعقول سواء بسواء. إنه يتأتى من قابليتها على الفعل المباشر، ومن درجة نفاذها إلى مخيال الفرد والجماعة، فيصبح ترديدها تلقائيا، وشيوعها عفويا، وقوتها على التجنيد عابرة للحدود.

إن قصيدة أبي القاسم الشابي، بكلماتها المعبرة وشحنتها الدلالية القوية، لم تواكب انتفاضة  الجماهير بتونس فحسب، بل امتد مداها ليطال انتفاضة جماهير مصر ثم اليمن ثم البحرين ثم ليبيا ثم سوريا …وما سواها آت لا محالة.

إنها أبيات وكلمات لم تعد حكرا على مسقط رأس ناظمها، بل أضحت ملكا عاما تتداوله الألسن، وتنشده الحناجر، وتحشد خلفه الشعارات والمطالب، لا بل وحركات الاحتجاج هنا كما هناك. وبقدر ما كانت قصيدة الشابي ذات سحر خاص، بقدر ما كان لكلمة “إرحل” سحر خاص أيضا، تجاوز دلالة الكلمة في حد ذاتها، ليصبح مصدر إلهام الملايين، منبع تأجيج انتفاضتها، لا بل ولربما المحور الأساس لمطالبها.

إن سحر كلمة “إرحل”، في سياق الانتفاضات الشعبية العربية للعام 2011، لا يأتي من رمزية ما في الكلمة إياها، بل يأتي من قدرتها ونجاعتها في التعبير على ثلاثة مواقف جوهرية، يبدو لنا أنها كانت الترجمة الصادقة لمضامينها:

°- موقف تحطيم عقدة الخوف من حاكم لم تكن ذات الجماهير لتأتي على ذكر إسمه حافيا،  أو تشير إليه بالأصبع مباشرة، أو تجرأ على التداول في سيرته الباطنة والظاهرة، حتى بدواخلها وقرارات أنفسها… فإذا بكلمة “إرحل” تخلصها من ذات العقدة، وتمنحها الجرأة، ليس فقط على المس ب”الذات المقدسة” للحاكم، بل “التطاول” بالذهاب لحد مطالبته بالرحيل عن السلطة، إذا لم يكن عن البلاد بالجملة والتفصيل.

°- ثم موقف تحدي حاكم لم تكن الجماهير إياها بقادرة على غير الهتاف بحياته، والإشادة بمنجزاته، والتعبير عن الإعجاب بحكمته ورزانة قراراته. كلمة “إرحل” لم تخلصهم فقط من كابوس تمجيد الحاكم، والنظر إليه كمخلوق معصوم، بل وحررتهم من إيديولوجيا في تقديس الحاكم تملكتهم بقوة النار والحديد، حتى باتوا يهتفون له بمجرد مروره بهم وإن عن بعد، أو مخاطبته إياهم وإن عبر الأثير العابر، أو بمجرد ما يسمعون إسمه، أو يتراءى للمرء أن “القطيع” يهتف، فيهتف بدوره دون شعور أو سابق تقدير.

°- ثم موقف تجاوز وعدم مجاراة حاكم، لم يكف يوما عن الادعاء بأنه يستلهم شرعيته ومشروعية نظامه من “شعبه”، فإذا بذات الشعب يطالب بإلغاء ذات الوكالة، وإعادة الشرعية والمشروعية إليه، مادام هو كنهها ومانحها، وصاحب التصرف فيها بالبداية وبالمحصلة النهائية.

هي ثلاثة مواقف كبرى، لم يكن لذات الجماهير أن تعتمدها لولا مفعول العدوى الذي أذكته كلمة “إرحل”، وجعلت الجماهير إياها في حل من الخوف ومن النكوص، ومن التفريط في توكيل مباشر اعتمد الحاكم مؤقتا بموجبه، أو غير مباشر، بتفويض من لدنه يعطيه “الحق” في البقاء بالسلطة مدى الحياة، ثم من بعده العائلة أو العشيرة أو القبيلة أو الحاشية إن تعذر ذلك.

-2-

لو تسنى لنا بسياق ما سبق، أن نستحضر سحر الكلمة، ونتساءل بوجه من يجب أن نرفعها بالمغرب، لقلنا التالي:

+ إن المفروض أن ترفع أولا، بوجه كل أشكال الفساد ومظاهر الإفساد المستشرية بالبلاد، والمتمكنة منها تمكن السرطان من ذات الإنسان.

المطلوب بهذا الجانب، ليس فقط التصدي بقوة لمظاهر الفساد المنتشرة هنا وهناك، بل العمل على اجتثاث المفسدين، كل المفسدين، الفاعلين في السياسة، كما العاملين بمجال الاقتصاد، كما القائمين على مؤسسة القضاء.

وهذا أمر هين وإلى حد بعيد، إذ مكامن الفساد وأوكارها معروفة، تماما كما هي معروفة هويات الفاسدين/المفسدين، إسما إسما وقطاعا قطاعا، ولا يتطلب الأمر إلا تحييدهم واستئصالهم بالجملة والتفصيل، تماما كما يستأصل الورم الخبيث من الجسد المريض.

+ والمفروض أن ترفع ثانية، بوجه بطانة السلطان التي لا تعمل بالسياسة مباشرة، ولا تشتغل بالسوق بواضحة النهار، ولا علاقة لها بالقضاء تذكر، لكنها تؤثر فيهم جميعا عن بعد، تحدد لهم التوجهات، تبتزهم، تفرض عليهم الإتاوات مقابل تزكية ما بالانتخابات، أو ممارسة فعل اقتصادي بريء، ثم تذهب لحد تطويع قرارات وأحكام القضاء لحمايتهم ضد المنافسة أو الاستهداف أو التضييق.

إنها بطانة فاسدة، لا تمت إلى مستويات السياسة أو الاقتصاد أو القضاء بصلة، لكنها محورهم جميعا، من بين ظهرانيها تصدر الأوامر والتوجيهات، وإليها يتم الاحتكام عندما يحين موعد الحساب، أو يطرأ ما يستوجب المحاسبة.

المطلوب هنا أيضا، ليس فقط استبعاد ذات البطانة كونها فاسدة ومفسدة، بل وقطع دابرها من الجذر، عبر فضح سلوكاتها وتدمير المنظومة التي انبنت عليها في الشكل والجوهر.

وهو أمر ليس بالمتعذر، إذ “أبطال” ذات البطانة معروفون، ووجوههم غير مقنعة ولا خاضعة للتشفير، والثروات الهائلة التي تحصلوا عليها مقابل ذلك، غير خافية بالمرة.

+ ثم المفروض أن ترفع ثالثا، بوجه نخبة من “المثقفين والفنانين”، لم يكترثوا يوما بقضايا المغرب الجوهرية، بل ركنوا إلى المدح والمديح، أو إنتاج دواوين في الشعر ضعيفة وروايات موغلة في التجرد والغموض، في حين كان لهم من المادة من بين ظهرانينا، ما يجعل من دواوينهم شعرا راقيا، ومن رواياتهم رسائل هادفة، ذات مضامين معتبرة.

إنهم لم يكتفوا بذلك، بل إن غالبيتهم خضعت للاستقطاب، وذهبت حيثما الثروة والسلطة والجاه، وتنكرت فكرا وسلوكا، للقضايا الكبرى التي كان عليها أن تحملها على عاتقها، أو ترفعها بوجه منطق الفساد والإفساد.

إن المطلوب ليس فقط إعمال الحذر في التعامل مع نخبة من هذا القبيل، بل ورفض التعامل معها، لا بل ومقاطعة كل ما يصدر عنها جملة وتفصيلا.

وهو أمر ليس بالعسير، إذ قتل المثقف أو الفنان هو من مقاطعته، ورفض التعامل مع “إنتاجاته”، أيا ما تكن طبيعة هذه الإنتاجات.

إن هؤلاء كما أولئك، لم يعودوا زمن الانتفاضات الشعبية الكاسحة، لم يعودوا أشخاصا مذمومين ومنبوذين فحسب، بل باتوا مطالبين بأن يتمثلوا، فرادى وجماعات، مضمون ورمزية كلمة “إرحل”…علهم يعتبرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.