أي موقع للمهاجر المغربي في مشروع الجهوية الموسعة؟

آخر تحديث : الإثنين 4 أبريل 2011 - 1:04 مساءً
2011 04 04
2011 04 04

بقلم/التجاني بولعوالي

باحث مغربي مقيم بهولندا

المبحث الأول: المغرب بين الانقسام التاريخي التلقائي والتقسيم المجالي المقنن

الانقسام التاريخي التلقائي

إن تقطيع المغرب إلى جهات وأقاليم مستقلة كليا أو نسبيا عن بعضها البعض، أو مركز الحكم والقرار (فاس، مراكش، الرباط…)، ليس مسألة طارئة أو جديدة، فدارس التاريخ المغربي يدرك أن هذا الجزء الأقصى من شمال أفريقيا، كان دوما موزعا إلى جهات متعددة، تتمتع بإدارة خاصة بها، تخضع لسلطة المخزن والقصر، إذ كان ميثاق البيعة هو المحدد لذلك الخضوع والتبعية، إضافة إلى جمع الجبايات والضرائب للخزينة المركزية، والتشبث بالمذهب المالكي، الذي كان، في أغلب الأحيان، هو المذهب الديني الرسمي للمملكة المغربية.

في مقابل ذلك، يكشف التاريخ عن أن المغرب ظل عبر مراحل مهمة مقسما إلى دويلات وإمارات مستقلة بذاتها، لا تخضع لمركز القرار، ولا تعترف بأية بيعة للسلطان، سواء في المغرب أم في المشرق، وقد خص د. أحمد عزاوي فصلا كاملا من الجزء الأول من مؤلفه (مختصر في تاريخ الغرب الإسلامي)، لدراسة عصر الإمارات المستقلة بالمغرب، خاصة بين الثلث الأخير من القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث، إذ ظهرت الكثير من الإمارات المستقلة، كإمارة بني صالح في نكور، وإمارة تامسنا البورغواطية، وإمارة سجلماسة المدرارية، وإمارة تاهرت الرستمية، وغيرها. وقد خلص الباحث إلى “أن إمارات بلدان المغرب مرت بمراحل تكاد تتشابه من حيث ظروف النشأة ومرحلة القوة والانهيار، أي أن هذه الفترات كانت متزامنة في كل منها، فكانت في فترة قوتها في توازن مع بعضها ولم يكن في إمكان البعض منها القضاء على جارتها؛ وفي فترة الضعف أيضا كانت متزامنة مع بعضها بحيث انشغلت كل منها بمشاكلها الداخلية”.(1)

ولا يقتصر هذه الانقسام الترابي لشمال أفريقيا عامة، والمغرب الأقصى خاصة، إلى مناطق وجهات مستقلة نسبيا عن المركز أو تابعة له كليا، على مرحلة دون أخرى، فهذه الوضعية تظل قائمة في التاريخ المغربي؛ قديمه وحديثه، بل وتعتبر خاصية جوهرية فيه، الذي وإن انقسم مجاليا وجغرافيا، فقد ظل موحدا دينيا وثقافيا ولغويا وانتماء. وهذا ما يسري كذلك على تاريخ المغرب الحديث، فرغم أن المغرب تعرض لاستعمارين ساهما في تقسيمه إلى أطراف متباعدة ومنفصلة، إلا أن الشعب المغربي ظل موحدا على مستوى الدين والهوية والثقافة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن المغرب ظل قبل فترة الحماية مقسما إلى شقين: بلاد المخزن وبلاد السيبه، وسوف يتكرر هذا التقسيم أثناء الحماية، بمسمى آخر وهو: المغرب النافع والمغرب غير النافع، أو كما يطلق عليه الفرنسيون (ليوطي)، المغرب الأطلنتيكي الممتد على المحيط الأطلسي، وهو غني ببحره وفلاحته وصناعته وتجارته، في مقابل المغرب الأفريقي الفقير والمجدب.

على هذا الأساس، يظهر أن تقسيم المغرب إلى مناطق وأقاليم منفصلة عن بعضها البعض، ومستقلة كليا أو نسبيا عن المركز، تعتبر ظاهرة جد عادية في تاريخ المغرب القديم والحديث، حتى وإن وصل الصراع ذروته، وبلغ السيل الزبى، ظل التوازن، في الغالب الأعم، يحكم علاقة كل منطقة أو قبيلة أو إمارة بأخرى. ولعل مرد ذلك إلى الشخصية المغربية التي تميل أكثر إلى الهدنة والاكتفاء والقناعة، مما يجعلها تتمتع بالقابلية إلى الاستقلالية والوحدة والطاعة، ولا يعني هذا بوجه من الوجوه القابلية السلبية، التي تنبني على الخضوع المذل والذوبان التام، وإنما القابلية الإيجابية، التي ترى في الهدنة حقنا للدماء وتفاديا للصراعات غير المجدية، وفي الطاعة احتراما لمن هو أقدر وأكفأ وأعلم، وسعيا إلى تحقيق مبدأ الوحدة في الأسرة والقبيلة والدولة والأمة، وفي الاستقلالية إثباتا للشخصية، وإقرارا للقدرة على الاكتفاء الذاتي وعدم التبعية المهينة والثقة في النفس.

الخلاصة مما سبق، أن تاريخ المغرب عموما من شأنه أن يقدم نموذجا متفردا فيما يطلق عليه في الدراسات السياسية والقانونية، النظام الفدرالي، أو نظام الجهة، أو الجهوية الموسعة، أو الاستقلال الذاتي، أو اللا مركزية، وهي مصطلحات مختلفة على المستوى اللغوي والدلالي، غير أنها تكاد تتفق على صعيد المقاصد، التي هي: تقريب الإدارة من المواطن، وتخفيف الحمل على الدولة المركزية، وإشراك جميع الجهات والأقاليم في الحكم والتسيير، ونحو ذلك.

التقسيم المجالي المقنن

وإذا كانت ظاهرة الانقسام المجالي التي شهدها المغرب طوال مختلف المراحل التاريخية إلى حد نيله الاستقلال، تتم بكيفية تلقائية وغير موجهة، تتحكم فيها مختلف العوامل، سواء أكانت طبيعية أم سياسية أم لغوية أم مذهبية، أم غير ذلك، فإنه غداة استقلال المغرب، يمكن الحديث عن التقسيم عوض الانقسام، الذي كان يحصل بأسلوب عفوي وبلا وعي أو تخطيط عميق، أما التقسيم المجالي فيندرج في السياسة الترابية التي تنتهجها الدولة في التعامل مع مناطق نفوذها، “وفي هذا الإطار تبنى الملك محمد الخامس اللامركزية في المغرب غداة الاستقلال بمقتضى ظهير 1959 والذي عين بموجبه القواد والباشاوات والعمال، وذلك من أجل تقريب الإدارة من المواطنين”.(2) وسوف يقطع المغرب أشواطا مختلفة في سياسته الترابية، التي لن تكتفي بالتقسيم إلى أقاليم وعمالات وجماعات محلية، وإنما سوف يعتمد إلى جانب ذلك التنظيم الجهوي، الذي سوف يعمل على تقسيم المغرب إلى جهات معينة، “فابتداء من سنة 1985 أخذت المسألة الجهوية بعدا سياسيا ومؤسساتيا ملحوظا باعتبارها مدخلا للإصلاح السياسي والدستوري، وهكذا صار التفكير في المسألة الجهوية ليس على أساس أنها مجرد إطار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التوازنات المجالية، بل على أساس أنها لبنة لتدعيم دولة المؤسسات وترسيخ الديمقراطية وفتح المجال أمام ديناميكية سياسية جديدة تمثلت على الخصوص في تبني نظام البرلمان ذي الغرفتين”.(3)

وتتحدد الأهداف الأساسية من اعتماد نظام الجهة، في دعم اللامركزية وإشراك منتخبي الشعب في تداول تمثيل الشعب وتقريب الإدارة من المواطنين، حسب ما نص عليه قانون تنظيم الجهات (رقم 47.96، 2 أبريل 1997)، جاء فيه: “إن الجهة تبدو إطارا ملائما وحلقة رئيسية قادرة على إتمام واستكمال الصرح المؤسساتي للمملكة باعتبار أن الجهة ستبدع هيئة جديدة ستمكن ممثلي السكان من التداول في إطارها، بكيفية ديمقراطية، من خلال منتخبيهم في الجماعات المحلية والهيئات الاجتماعية المهنية، في شأن مطامح ومشاريع جهاتهم وبالتالي إعطاء الانطلاقة لديناميكية متميزة للمنافسة والتنمية الجهوية المندمجة.

إن إحداث الجهة سيعمل على دعم اللا مركزية ليس فقط بخلق جماعة محلية جديدة ذات صلاحيات كاملة، بل كذلك بوضع جميع الطاقات، التي يختزنها عدم التمركز الإداري في خدمة الجهوية… ومن جهة أخرى، فإن عدم التمركز الإداري من شأنه أن يوفر إدارة محلية أكثر قربا من المواطنين للتخفيف من أضرار الروتين الإداري”. (4)

وبمجيء الملك محمد السادس سوف لن يتوقف التفكير في مسألة التقسيم المجالي للمغرب، بقدر ما سوف يعزز ذلك بجملة من الإجراءات التي تهم إدارة التراب الوطني، أهمها مبادرة الحكم الذاتي، وإضافة ثلاثة عشر إقليما جديدا، ثم مشروع الجهوية الموسعة، الذي ما هو إلا تعميق لمشروع الجهة الذي كان قد أرساه من قبل الملك الراحل الحسن الثاني. جاء في خطاب محمد السادس بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للمسيرة الخضراء (6 نوفمبر 2008) “أن مشروع الجهوية، إصلاح هيكلي عميق يقتضي جهدا جماعيا لبلورته وإنضاجه (…) فطموحنا الكبير من هذا الورش الواعد هو ترسيخ الحكامة المحلية الجيدة وتعزيز القرب من المواطن وتفعيل التنمية الجهوية المندمجة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولبلوغ هذه الأهداف، فإن هذا الإصلاح يجب أن يقوم على مرتكزات الوحدة والتوازن، والتضامن.

فأما الوحدة، فتشمل وحدة الدولة والوطن والتراب، التي لا يمكن لأية جهوية أن تتم إلا في نطاقها. وأما التوازن، فينبغي أن يقوم على تحديد الاختصاصات الحصرية المنوطة بالدولة مع تمكين المؤسسات الجهوية من الصلاحيات الضرورية للنهوض بمهامها التنموية، في مراعاة لمستلزمات العقلنة والانسجام والتكامل. ويظل التضامن الوطني حجر الزاوية، في الجهوية المتقدمة، إذ أن تحويل الاختصاصات للجهة يقترن بتوفير موارد مالية عامة وذاتية”. (5)

هكذا يرسم الملك محمد السادس الإطار العام الذي ينبغي أن يتحرك فيه مشروع الجهوية الموسعة، وهو إطار ينضبط إلى محددات ثلاثة:

الوحدة؛ على أن تخدم هذه الجهوية الموسعة وتدعم الوحدة الترابية والسياسية للمغرب.

التوازن؛ لاسيما على مستوى المهام الموكولة لمؤسسات الجهوية الموسعة، وهي مهام تنسجم مع تطلعات الدولة، بل وتعكس أهدافها على الصعيد الجهوي، خصوصا فيما يتعلق بما هو اقتصادي وتنموي.

التضامن؛ ويقصد به بالدرجة الأولى تأهيل الجهوية الموسعة ماديا ولوجيستيكيا، حتى تتمكن من أداء الاختصاصات المنوطة بها على أحسن وجه.

المبحث الثاني: ملاحظات حول التقسيم المجالي للمغرب

إن التقسيم المجالي للمغرب، سواء إلى جهات معينة كما تم في الماضي، أم إلى جهويات موسعة كما يحصل اليوم، من شأنه أن يطرح بعض الملاحظات العميقة، التي يتحدد أهمها كما يأتي:

  • الإعجاب بالنموذج الألماني: يُلمس من التنظير الذي يعقد لموضوع التقسيم الإقليمي والجهوي للمغرب، أنه يستحضر، بشكل أم بآخر، النموذج الفرنسي، وكيف لا؟ وقد سار المغرب في أول عهده بالاستقلال على خطى ما ورثه من المستعمر فيما يرتبط بالإدارة المجالية والتقسيم الترابي، غير أنه يغيب عن الكثير من المنظرين والباحثين والمخططين الذين تربوا في الجامعات والمعاهد الفرنسية، أن الملك الراحل الحسن الثاني كان معجبا بالنموذج الفدرالي الألماني، بل وكان يحلم بأن تصبح الجهات في المغرب متمتعة باستقلالية كبيرة، كما هو الشأن بالنسبة إلى المقاطعات الألمانية، يقول في كتابه (ذاكرة ملك): “إن المغرب بمثابة فسيفساء بشرية وجغرافية، ولهذا الغرض أريد تحقيق اللامركزية لأترك يوما الجهات تتمتع باستقلالية كبيرة على شاكلة المقاطعات الألمانية “لاندر” وذلك سيكون بالتأكيد في مصلحة المغرب، بحيث يكون التنفيذ أسرع والتطور أكثر واقعية، فالمغرب حباه الله بتنوع رائع لأنه يزخر من الناحية الجغرافية بصحراء شاسعة وواحات نخيل وارفة الظلال، وثلوج تكسو جباله وسهول خصبة، فضلا عن سواحل مترامية الأطراف على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولا ينقصه إلا صقيع القطب الجنوبي”. (6)
  • فشل مشروع الجهات: إن ما تضمنه قانون 2 أبريل 1997 لتنظيم الجهات من بنود وأفكار وتطلعات، يعتبر غاية في الأهمية، غير أن الخلل ليس في ذلك القانون، وإنما في كيفية تنزيله على أرض الواقع، وترجمته إلى مشاريع مثمرة وممارسات ملموسة، فرغم أن مشروع الجهات ظهر أول ما ظهر في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه لم يبارح مكانه على مستوى التنفيذ، فيما يتعلق بالجهات الفقيرة والنائية عن المركز، بل وأن معطيات الواقع تثبت أنه منذ أن طرح مشروع الجهات، أصبحت العديد من الجهات في شرق المغرب ووسطه أكثر تهميشا وإقصاء، فتركزت رؤوس الأموال والشركات الكبرى في العاصمتين الإدارية والاقتصادية وما جاورهما من مدن، واتجهت أغلب المشاريع الاجتماعية والتجهيزية إلى الجهات والأقاليم الصحراوية.
  • الهاجس الأمني: يلاحظ أن أغلب من يتحدث عن مشروع التقسيم الجهوي في المغرب، بما في ذلك منشور قانون تنظيم الجهات، يحدد الأسباب في تعزيز اللا مركزية، وتقريب الإدارة من المواطنين، وإشراك المنتخبين السياسيين، في حين يغيب الجانب الأمني تماما، ولا يشار إليه على الإطلاق، مما يبعث على هذه التساؤلات الجريئة؛ أليس مطمح الأمن والاستقرار هو حلم كل مواطن مغربي، سواء في المدن الكبرى، أم في المدن المتاخمة للحدود؟ ثم أليس أنه كلما تعزز مشروع الجهات وتقوى، كلما ساد الأمن في كل حيز ومكان؟ على هذا الأساس، فالهاجس الأمني يعد أس التنظيم الجهوي، وبغيابه لا يمكن، بحال من الأحوال، تحقيق أغلب المقاصد الإدارية والتنموية والتمثيلية التي يطرحها قانون الجهات.
  • المركزية الجهوية: يقول الملك محمد السادس: “ومهما وفرنا للجهوية من تقدم، فستظل محدودة، ما لم تقترن بتعزيز مسار اللاتمركز”، مما يعني الغرض الأساس من التقسيم الجهوي هو دعم سياسة اللا مركزية، وتخفيف الضغط على المركز، غير أن ذلك يطرح إشكالا آخر، وهو ما يمكن أن نسميه المركزية الجهوية، إذ تتركز أغلب المصالح والاستثمارات والمشاريع في مدن بعينها تعتبر عواصم الجهات، فتصبح قبلة للمستثمرين واليد العاملة، مما يخل بالتوازن الاقتصادي والديمغرافي والتجهيزي في الجهات، لاسيما وأن المستفيد الأكبر هي تلك المدن، حيث ينصب اهتمام الدولة عليها، فتعزز بنياتها التحتية، وتؤهل مؤسساتها الصحية والاجتماعية والتعليمية، وتقوى إمكاناتها الاقتصادية والسياحية.
  • قطع الطريق على دعاة الحكم الذاتي: يلاحظ المتتبعون لملف الجهوية الموسعة، أنه قد سبق للملك محمد السادس أن طرح مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وقد لقي ذلك استحسانا وطنيا ودوليا، غير أنه في الوقت نفسه فتح شهية بعض المناضلين الأمازيغ في سوس والريف، فراحوا يطالبون بالحكم الذاتي في مناطقهم، على غرار الحكم الذاتي في الصحراء، وقد طرح مشروع الجهوية الموسعة في وقته المناسب، ليقطع الطريق على هؤلاء الدعاة، ويصرف عنهم حلم الحكم الذاتي ذا الطابع العرقي الضيق الصرف، الذي لا يخدم الواقع المغربي في شيء، في حين أن مشروع الجهوية الموسعة ذو أبعاد استراتيجية متنوعة؛ كالاحتفاء بالخصوصية الثقافية المحلية، وتعزيز مسار التنمية، وإشراك المنتخبين عبر المجالس الجهوية، وغير ذلك.
  • الجهوية الموسعة: إن سن الملك محمد السادس لمشروع الجهوية الموسعة، لا يقتصر على ما هو نظري وقانوني، ولم يتم فجأة أو بكيفية عشوائية، وإنما مهد له بشكل تدريجي عبر أكثر من عقد زمني، أي منذ أن تسلم زمام الحكم، إذ راح يسهر شخصيا على تنفيذ سياسة اللا مركزية، في كل الاتجاهات والجهات، دون تمييز أو استثناء، فحظيت أغلب الحواضر والبوادي المغربية بمختلف المشاريع التجهيزية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية، حتى بدأت بعض جهات المملكة تستقل بذاتها عن المركز التقليدي. من هذا المنطلق، فإن إعلانه الرسمي عن مشروع الجهوية الموسعة، سبقته مجهودات تمهيدية لتأهيل العديد من مناطق المغرب، وما هذه الجهوية إلا تتويج لتلك المجهودات.

المبحث الثالث: التعلق التاريخي بالوطن رغم الإقصاء السياسي والتغييب الإعلامي!

لعل الجالية المغربية بالخارج تعد خير أنموذج فيما يتعلق بالتشبث بالوطن والهوية الأصلية، ويتجلى ذلك من خلال ميزتين جوهريتين تتميز بهما الأقلية المهاجرة المغربية عن غيرها من الأقليات العربية والمسلمة والثالثية:

  • أولهما أن هذا الارتباط الدائم بالوطن، وبكل ما يمت إليه بصلة، لا يتم على المستوى الرمزي فحسب، كالحنين والاشتياق وتذكر الأحباب والحلم بالعودة… وإنما يتجاوزه إلى المستوى العملي، إذ يضحي المهاجر المغربي بعمره وجهده وماله وسائر إمكاناته، من أجل أن يقدم خدمة ملموسة ومشهودة لبلده الأصل، في شكل إعانات مالية متواصلة لأهله وأقربائه، أو مشاريع عقارية وتجارية وخدماتية، أو مساعدات مادية وتجهيزية لهيئات المجتمع المدني، وغير ذلك. وهذا ما تقره على حد سواء، إما سلطات الدول التي يستقر فيها المهاجرون المغاربة، وإما مصالح البلد الأصل المتخصصة في شؤون الجالية المغربية بالخارج.
  • وثانيهما أنه رغم أن الجالية المغربية ظلت طوال ما يقارب نصف قرن من الزمن مهمشة من قبل أجهزة الدولة المغربية الحكومية والإدارية والجمركية، ومغيبة من طرف وسائل الإعلام الوطنية التقليدية، وتقدم لها خدمات جد رديئة من لدن المصالح القنصلية في البلدان الغربية التي تعيش فيها، ومع ذلك كله، ظل المهاجرون المغاربة متمسكين بوطنهم الأصل، يسعون إليه حثيثين وجاهدين رغم البعاد وامتداد مسافات الجغرافيا، بل ورغم التغييب وامتداد مسافات التهميش! كأن المهاجر المغربي الذي كتب عليه أن يغادر وطنه قسرا، ما فتئ يحمل هذا الوطن بين جوانحه أينما حل وارتحل، ولم يقدر على أن يتنازل عن هذا الإرث الثقيل، رغم أنه تأتى له ما هو أفضل؛ تأتى له أن يندمج في أوطان أخرى، ويحمل جنسيات أخرى، إلا أنه كما يقول الشاعر:

ولي وطن آليت ألا أبيعه … وألا أرى غيري له الدهر مالكا

غير أنه انطلاقا من العشرية الأخيرة، أي منذ بدء الألفية الثالثة، سوف تتغير سياسة الدولة المغربية في التعامل مع الجاليات المغربية في الخارج، وتدبير شؤون المهاجرين وقضاياهم، وتنبني هذه السياسة الجديدة على العناصر الآتية:

  • إنشاء مؤسسات خاصة بالجالية المغربية في الخارج: وتتنوع هذه المؤسسات من حيث طبيعة الخدمات التي تقدمها للمهاجرين المغاربة، فمنها ما هو إسعافي يركز على مساعدة المهاجرين المغاربة أثناء زيارتهم للوطن، في المطارات والموانئ والطرقات، كما هو الشأن بالنسبة إلى مؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي أحدثت تحت الرئاسة الفعلية للملك محمد السادس سنة 1999، وهي مؤسسة ذات منفعة عمومية، أنشئت بمقتضى المرسوم الصادر في 21 ربيع الأول 1420، الموافق لـ 5 يوليو 1999، ومن بين أهدافها مواكبة عملية مرور المهاجرين المغاربة أثناء زيارتهم للوطن، وقد وضعت رهن إشارتهم جهازا يروم الاستجابة لحاجياتهم المتعلقة بالمساعدة الإدارية والطبية، خلال تنقلاتهم بالمغرب، وذلك من 15 يونيو إلى 15 سبتمبر من كل سنة. (7) ومنها ما هو ثقافي وتواصلي، كمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، التي أحدثت طبقا للقانون 19-89 الصادر في الظهير الشريف بتاريخ 13 يوليو 1990، وتهدف إلى العمل على  ضمان استمرار العلاقات الأساسية التي تربطهم بوطنهم وعلى مساعدتهم على تخطي الصعوبات التي تعترضهم بسبب اغترابهم. (8) ومنها ما هو تمثيلي، كمجلس الجالية المغربية بالخارج الذي أنشئ في 21 ديسمبر 2007، وهو يساهم مع جميع القوى الوطنية في إعداد إستراتيجية وطنية شاملة، ذات أبعاد متعددة وتأخذ في الاعتبار التطورات والتحولات السريعة المتعلقة بقضايا الجالية المغربية بالمهجر.(9)
  • تنظيم أنشطة خاصة بالجالية المغربية في المهاجر: ويمكن تقسيمها إلى أنواع مختلفة من الأنشطة، فمنها ما هو موجه إلى مختلف شرائح المهاجرين، كالندوات الدينية في المساجد، والأمسيات الثقافية، ومعارض التراث المغربي والصناعة التقليدية، والتظاهرات الفنية والرياضية والاجتماعية، وغير ذلك. ومنها ما هو خاص بجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني المغربي في الخارج، إذ تعمل الدولة المغربية من خلال وزارة الجالية ومؤسسة الحسن الثاني، على دعم مجموعة من المبادرات والأنشطة ذات الطابع الثقافي الإشعاعي والتربوي والتواصلي، ومنها ما هو اقتصادي وتنموي، يتجلى من خلال تحفيز الدولة المغربية للمؤسسات البنكية والعقارية والخدماتية على تنظيم تظاهرات توعوية، سواء للمهاجرين العاديين، أم لرجال الأعمال والمستثمرين، تعرف بالإمكانات الهائلة المتاحة لهم للاستثمار العقاري أو التجاري أو السياحي بالوطن.
  • تحديث المصالح القنصلية بالخارج: سعت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية أثناء العقد الأخير، إلى تحديث مجموعة من مصالحها القنصلية الموجودة في الخارج، وقد مس هذا التحديث البنايات التي كانت متردية وفي حالة يرثى لها، لا تواكب السياق الغربي الذي توجد فيه، سواء من خلال خدماتها الإدارية المتخلفة، أم من خلال تجهيزاتها البدائية، أم من خلال معاملة موظفيها لأفراد الجالية المغربية، وهي معاملة تنبني على الاحتقار والابتزاز والقمع. ومع أنه حظيت بعض القنصليات المغربية بالتحديث المعماري والبنيوي، كما هو الشأن بالنسبة إلى قنصلية المملكة المغربية بأمستردام، إلا أن الأداء الإداري يظل متخلفا، لأن ذلك التحديث اقتصر على ما هو شكلي، في حين ظلت عقليات بعض المسيرين والموظفين على عادتها القديمة!
  • الاحتفاء الرسمي المتزايد بأفراد الجالية المغربية بالخارج: لاسيما مباشرة بعد أن تربع الملك محمد السادس على العرش، وقد تمثل ذلك الاحتفاء في جملة من الأمور، نذكر منها: تخفيف الضغط الجمركي على المهاجرين المغاربة أثناء قدومهم إلى الوطن، بث نقاط خاصة لمساعدتهم على الطرقات من خلال تقديم الإسعافات الطبية، وتزويدهم بما يحتاجونه من معلومات، تكثيف الرحلات الجوية والبحرية بين المغرب وبلدان إقامة الجالية، غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الدولة المغربية لم تتدخل بعد فيما يتعلق بثمن تذكرة السفر جوا أو بحرا، التي تعتبر الأغلى عالميا، خصوصا بالمقارنة مع الدول المتوسطية المجاورة كإسبانيا وتركيا ومصر، وغيرها. مما يتحتم على الدولة المغربية أن تعالج هذا المشكل الذي يسبب الكثير من المعاناة لأفراد جاليتها بالمهاجر، ولا تتركهم عرضة لوكالات الأسفار، وشركات الخطوط الجوية والبحرية، والمواقع الإلكترونية المتخصصة في بيع تذاكر السفر، وما إلى ذلك.
  • تنمية المناطق التي ينحدر منها المهاجرون المغاربة: إذ سارعت الدولة المغربية في الآونة الأخيرة إلى تنمية بعض المناطق والمدن التي ينتمي إليها المهاجرون المغاربة، وقد تجلى ذلك من خلال تحديث وتقوية البنية الطرقية، وتأهيل بعض المنتجعات السياحية الشاطئية أو الجبلية، وتشييد مختلف المرافق الترفيهية والسياحية والثقافية في العديد من المدن المغربية، خصوصا في شمال المملكة وشرقها. ومع ذلك كله، يظهر أن تلك التنمية تقتصر على الشريط الساحلي الممتد من طنجة إلى السعيدية، أما المناطق الشمالية والشرقية الداخلية تظل مهمشة ومعزولة عن باقي المملكة، رغم أنها تتضمن النسبة الأكبر من المهاجرين إلى الخارج، الذين يضطرون إلى مغادرة قراهم الأصلية إلى المدن الشاطئية المحاذية للبحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي، أو إلى بعض المدن الداخلية كفاس ومكناس ومراكش وغيرها. مما يتطلب من الدولة المغربية أن تراجع ملفاتها المتعلقة بتنمية المناطق التي ينحدر منها المهاجرون، وتشرع في تنميتها وتأهيلها على أساس من العدالة وعدم التمييز، بين ما هو حضري، وما هو قروي أو بدوي، إذا ما هي أرادت أن تضمن كسب ذلك المهاجر ليس وحده، وإنما برفقة أبنائه وذويه، الذين عادة ما يتذمرون من التهميش الذي يعتري المناطق التي ينحدر منها آباؤهم، مما يساهم في انقطاعهم عن زيارة الوطن.

هكذا يظهر جليا أنه بالرغم من الإقصاء السياسي الذي تعرض إليه المهاجر المغربي طوال ما يقارب نصف قرن من الزمن، وقد تمثل ذلك من خلال مختلف السلوكات والمعاملات والقرارات، التي ظلت تعامل بها الجالية المغربية من قبل الحكومات المغربية التقليدية، كما أنها ليست جزءا يتجزأ من الشعب المغربي، فحرمت من الكثير من الحقوق القانونية والسياسية والإدارية، بل ولا زالت ممنوعة من حقها في دعم الدولة المغربية لأنشطتها الثقافية والتربوية والدينية، وحقها في الانتخاب والمشاركة في أخذ القرار، على الأقل في القضايا التي تمت بصلة إليها. بالإضافة إلى هذا الإقصاء السياسي، تعرض المهاجر المغربي للتغييب الإعلامي عبر سنين وعقود طويلة، فلم تعرف قضاياه طريقها إلى الإعلام المغربي إلا في العشرية الأخيرة، فخصصت له بعض البرامج الفضائية والإذاعية، التي منها ما يتعامل مع شؤون المهاجرين على أساس الانتقاء أو العلاقات الشخصية والأيديولوجية، ثم إن هذه البرامج لم تعد كافية لتغطية أنشطة ومستجدات أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر مغربي، موزعين على مختلف البلدان الأوروبية والغربية والعربية والإفريقية، لقد آن الأوان للحديث عن قناة فضائية جديدة خاصة بالجالية المغربية في الخارج، إن كانت الدولة تفكر بجدية وحسن نية في لمّ شمل هذه الشريحة المهمة من الشعب المغربي، وتقريبها أكثر من وطنها الأصلي، بل واستقطابها بفعالية للمساهمة في المخطط التنموي، الذي بدأ يشهده الواقع المغربي.

ومع هذا الإقصاء السياسي، وذلك التغييب الإعلامي، يظل المهاجر المغربي متمسكا بالوطن، يتذكر كل هنيهة قضاها بين ظهرانيه، ويحلم بقدوم اللحظة التي يجد فيها نفسه على أرض الوطن. ولا يتجلى ذلك التمسك من خلال الحنين والشوق والتذكر فقط، وإنما من خلال العديد من الإسهامات الواقعية الملموسة التي تقدمها الجالية المغربية لبلدها، وتتحدد أهم تلك الإسهامات فيما هو رمزي وثقافي واقتصادي وتنموي، وغير ذلك.

الإسهام الرمزي والمعنوي: من المعلوم أن خيار الهجرة لم يكن عن طواعية وطيب خاطر، وإنما من جراء جملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القاهرة، التي دفعت الكثير من المواطنين المغاربة إلى مغادرة أرض الوطن، والبحث عن بديل أفضل، ولما تأتى لهم جانب مما كانوا يسعون إليه، فاستقروا في الغرب، وتحسنت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وحملوا جنسيات البلدان التي أقاموا فيها، لم يبخلوا على وطنهم الأصلي، رغم التهميش المهول الذي كانوا يتعرضون إليه من قبل السياسات السابقة، مما يثبت القيمة الرمزية والمعنوية للمهاجر المغربي، الذي لا يفكر أبدا في التخلي عن هويته الأصلية، وإن تظاهر بأنه مواطن أوروبي أو غربي، وأنه اندمج في المجتمع الذي يستقر فيه، وأن علاقته ببلده الأول ذات طابع تاريخي وسياحي، ليس غير!

الإسهام الجمعوي التنموي: لقد وعى قسم عظيم من المهاجرين المغاربة، أن خدمة الوطن الأصل لا ينبغي أن تقتصر على مساعدة أقربائهم المحتاجين فحسب، سواء من خلال بعض التحويلات البنكية، أم أثناء زيارتهم للوطن في العطل والأعياد، وإنما يجب أن تتعدى ذلك إلى ما هو أوسع. مما يشير إلى الانتقال من الأسلوب التقليدي الضيق في دعم الوطن، إلى أسلوب حداثي أكثر نجاعة وانفتاحا، يستهدف مختلف الشرائح الاجتماعية الفقيرة، كالأيتام والعجزة والمرضى، وغير ذلك، ليس عن طريق الدعم النقدي المحدود كما كان يسود في الماضي، وإنما عبر مختلف آليات المساعدة، كالاشتراكات المادية، وجمع الزكوات والتبرعات، والتجهيزات المكتبية والمدرسية، والوسائل الصحية، وما إلى ذلك. ولا يتم ذلك بصيغة فردية، بل عبر منظمات المجتمع المدني، والمجالس البلدية والقروية المنتخبة، والمؤسسات البنكية، وغير ذلك. وتنشط اليوم في مختلف الدول الأوروبية عشرات المؤسسات والجمعيات، التي يديرها مهاجرون مغاربة، في إطار تقديم الدعم المادي والتجهيزي والعلمي للعديد من المناطق والجهات، التي ينحدر منها أولئك المهاجرون، وذلك قصد الإسهام في تنمية بعض مجالاتها الاجتماعية والتعليمية والصحية، وما إلى ذلك.

الإسهام الاقتصادي والمادي: يشير أكثر من تقرير إلى أن تحويلات العمال المغاربة بالخارج من العملة الصعبة، تعتبر من أهم الموارد المالية التي أصبح يرتكز عليها الاقتصاد الوطني المغربي، إضافة إلى الودائع البنكية ومختلف الاستثمارات العقارية والخدماتية والتجارية. لقد سجل آخر تقرير للمنظمة الدولية للهجرة أن تحويلات العمال المغاربة بالخارج بلغت 6،7 مليار دولار عام 2009، وهو في الحقيقة رقم لا يستهان به، بالقياس إلى موارد الدولة المغربية الإجمالية، التي يرتقب، كما جاء في قانون المالية، (10) أن تصل عام 2011 إلى ما يربو على 280 مليار درهم؛ أي حوالي 35 مليار دولار.

على هذا الأساس، يبدو أن شريحة المهاجرين المغاربة يمكن أن تؤدي دورا رياديا في دعم الجهات التي تنحدر منها وتأهيلها، من خلال مختلف الخدمات والإسهامات، بدءا من التحويلات المالية والمساعدات المادية والتجهيزية، وصولا إلى البعد الوطني الرمزي ورفد الخبرات والمهارات الغربية في شتى المجالات التعليمية والتنظيمية والتكنولوجية والإعلامية، وغير ذلك. غير أنه في مقابل ذلك، آن الأوان للدولة المغربية أن تتعامل مع ملف الهجرة بجدية ومصداقية، مع مراعاة التغيرات الجذرية التي طرأت على السياق العام لمغاربة العالم، ليس على المستوى السياسي والاقتصادي فحسب، وإنما على بنية التفكير لدى مكونات الجالية المغربية، لاسيما الأجيال الأخيرة التي ولدت وتربت في الغرب، ولا يربطها بالمغرب إلا جيل الآباء أو الأجداد الأوائل، الذين هاجروا إلى بعض الدول الأوروبية في ستينيات القرن الماضي، باعتبارهم عمالا ضيوفا. ولا يتأتى ذلك المطلب إلا باتخاذ جملة من الإجراءات الواقعية والجدية، التي بدأت الدولة المغربية في تنفيذ بعضها أثناء العقد الأخير بواسطة بعض المؤسسات الرسمية، كالوزارة المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، والسفارات والقنصليات المغربية، ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن، والمجلس الأعلى للجالية المغربية بالخارج، والمجلس العلمي المغربي لأوروبا، وغيرها.

إلا أنه نشأ جدل عميق بين أوساط المغاربة المقيمين في أوروبا والغرب، بخصوص سواء بعض هذه المؤسسات، كمجلس الجالية والمجلس العلمي، أم بعض المشاريع والأنشطة الثقافية والسياسية والقانونية، التي يتم تنظيمها من حين إلى آخر في بعض الدول الأوروبية، كفرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا. ومرد ذلك إلى جملة من الإشكالات والأسئلة المحرجة التي يطرحها الحضور الرسمي المغربي في تلك البلدان، لدى قسم كبير من مكونات الجالية وشرائحها، حول التهميش التاريخي الذي تعرضت إليه الجالية المغربية طوال ما يقارب نصف قرن من الزمن، وحول الكيفية العشوائية واللا ديمقراطية التي يتم بها اختيار ممثلي مغاربة العالم، وحول بعض المضطهدين السياسيين الذي ما تني ملفاتهم معلقة إلى أجل غير مسمى، وحول طبيعة الأنشطة الثقافية التي تمولها الدولة المغربية، ليس لصالح أفراد الجالية وإنما لصالح حفنة من الأشخاص الانتهازيين، الذين يستغلون علاقاتهم القديمة مع بعض المسئولين والمؤسسات الرسمية والحكومية، وحول مصير المشاركة السياسية في مختلف الانتخابات التي تنظم بالمغرب، وغير ذلك من القضايا الشائكة والعالقة.

الخلاصة مما مضى، أن مشروع الجهوية الموسعة الذي بدأت تُرسى قواعده، وتنظم مؤسساته، وتشكل جهاته، لن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار مختلف مكوناته الثقافية والمجالية والبشرية، وتعتبر شريحة المغاربة المقيمين في الخارج، في هذا الصدد، عنصرا رئيسا في المعادلة الجهوية، نظرا إلى الدور الاقتصادي والسياحي الذي تؤديه في العديد من الأقاليم والمدن والبوادي، التي تشكل فيها تحويلات المهاجرين المغاربة ومساعداتهم واستثماراتهم المورد الاقتصادي الأول، الذي بانتفائه ينهار اقتصادها المحلي، وتعم الأزمة والفقر والحاجة. لذلك أصبحت الدولة المغربية اليوم مدعوة بإلحاح إلى التعاطي الموضوعي مع هذا الجانب، بعيدا عن البهرجة الأيديولوجية والدعاية الإعلامية، التي سئم المواطن المغربي في الداخل والخارج من تكرار أسطوانتها المشروخة، في وسائل الإعلام الرسمية، وعلى ألسنة المسئولين والسياسيين، ولن يتحقق هذا المطلب إلا عبر جملة من الإجراءات العاجلة والواقعية؛ كاستفادة المغاربة المقيمين في الخارج من شتى حقوقهم السياسية والاجتماعية والقانونية مما يربطهم أكثر بالوطن، وتهيئة الجهات التي ينحدر منها المهاجرون، إداريا وبنيويا وسياحيا وصحيا، عن طريق التنمية الشمولية والتأهيل المستمر، وتذليل العقبات القانونية والجمركية أمام مؤسسات المجتمع المدني الناشطة في دول الإقامة، حتى يتيسر لها تقديم المساعدات الميدانية لمختلف المناطق والجهات، وتوعية المهاجرين المغاربة بدورهم في خدمة الجهات التي ينحدرون منها، عبر مختلف الآليات (الفضائيات، الإنترنت، المساجد، الجمعيات… إلخ)، وتحفيزهم على الاستثمار في المناطق التي ينتمون إليها، لا خارجها كما كان سائدا في الماضي، وضرورة مساهمة الأبناك في دعم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والسياحية في المناطق التي ينحدر منها المهاجرون، وتشجيع العلاقات الثقافية والدبلوماسية للجهات والمدن المغربية مع الجهات والمدن التي يستقر فيها المهاجرون المغاربة، عبر اللقاءات المشتركة، والتوأمات، وتبادل الزيارات والخبرات، والتعريف بالتراث المغربي، على أن يكون صوت المهاجر المغربي حاضرا في تلك الأنشطة كلها، ما دامت أنها تهم، بالدرجة الأولى، وجوده في تلك البلدان، ومصير حياته، ومستقبل أبنائه.

هوامش البحث:

1.    مختصر في تاريخ الغرب الإسلامي، الجزء الأول، عصر الانقسام السياسي، د. أحمد عزاوي، مطبعة ربا نيت ديور الجامع – الرباط، ط2/1430 – 2009، ص 136، وللاطلاع أكثر على عصر الإمارات المستقلة، يمكن قراءة الفصل الثالث من الكتاب، (71- 137).

2.    المسألة الجهوية من خلال الخطابات الملكية، محمد بوبوش، المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية.

3.    المصدر نفسه.

4.    الجريدة الرسمية، السنة السادسة والثمانون، عدد 4470، 24 ذي القعدة 1417 – 3 أبريل 1997، ص 556 و557. ينظر كذلك منشور: تنظيم الجهات، المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات المحلية، منشورات مركز التوثيق للجماعات المحلية، ط2/2004، ص 7 و8

5.    نص الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثون للمسيرة الخضراء، مراكش 6 نوفمبر 2008، المصدر، وكالة المغرب العربي للأنباء.

6.    ذاكرة ملك، نقلا عن مقال الأستاذ محمد بوبوش: المسألة الجهوية من خلال الخطابات الملكية.

7.    للاطلاع أكثر يمكن تصفح الموقع الرقمي لمؤسسة محمد الخامس للتضامن على الرابط: http://www.fm5.ma/ar

8.    للاطلاع أكثر، يمكن تصفح الموقع الرقمي لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج على الرابط: www.alwatan.ma

9.    للاطلاع أكثر، يمكن تصفح الصفحة الخاصة بمجلس الجالية المغربية بالخارج، في الموقع الرقمي للوزارة المكلفة بالجالية المغربية على الرابط: http://www.marocainsdumonde.gov.ma

10.                       الجريدة الرسمية، ع 5904، 30 ديسمبر 2010، ص 5517

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.