تُعدّ الصورة النادرة التي حصل عليها موقع «زايوسيتي» من أحد الأصدقاء، والتي تعود إلى شهر فبراير من سنة 1975 من داخل أحد أقسام مدرسة عبد الكريم الخطابي بمدينة زايو، وثيقة إنسانية وتاريخية نابضة بروح الأصالة المغربية العريقة.
يتوسط هذا المشهد المعلم الجليل الراحل سي محمد البدوي، بهندامه المهيب ووقفته الوقورة، أمام سبورة خطّت عليها ببراعة فريدة قصة تعليمية بعربية متقنة تفيض جمالاً وإتقاناً، وحوله طيف من التلاميذ الذين تشرئب أعناقهم وترتفع أصابعهم شغفاً وحيوية وتفاعلاً مع منارة العلم والمعرفة.

لقد تجاوزت هذه الصورة حدود كونها مجرد أثر فوتوغرافي بالأبيض والأسود، لتغدو فضاءً افتراضياً رحباً للوفاء والعرفان، تهاف عليه الأهل والتلاميذ والزملاء ليخطوا بمداد المحبة شهادات في حق شخصية استثنائية زرعت النور وبنت العقول بصمت وإخلاص.
فقد توجّه ابن عمه خالد البدوي بالدعاء الخالص للفقيد، بينما سطر ابنه إلياس البدوي شهادة بالغة التأثير في حق أبيه، مستذكراً أنه كان نعم المعلم الملقن والأب الحاني، وعلى يديه تلقف الحروف الأولى وأتقن فنون الخط وصنعته البديعة.
ولم تقتصر بصمات الراحل على زايو وحدها، بل امتد أثره العطر ليشمل مدينة تاوريرت بخصال الإحسان ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وامتدت جذور رسالته لتزهر في مجموعة مدارس مستكمار سنة 1968؛ حيث يسترجع تلميذه بوبكر حشاش تلك الأيام العطرة مؤكداً أنه كان السبيل لتفوقهم في علوم الإعراب والصرف، ومصدر غرس لأسمى مكارم الأخلاق من صدق وأمانة جعلته محبوباً من الجميع هناك « انه السي محمد البدوي على يده كنا من النجباء في الاعراب والصرف . ومنه تعلمنا الأخلاق الصدق والامانة بمجموعة مدارس مستكمار . كان محبوبا عند الجميع في مستكمار وذلك سنة 1968 . رحمك الله استاذنا».
وتتوالى عقود الوفاء بشهادة التلميذ عبد السلام مشبال الذي يرجح وجوده بين أطفال ذلك القسم التاريخي سنة 1975، وبشهادة زميله في رسالة التربية الأستاذ زين أحمد الذي أثنى بكلمات ناطقة بالصدق على خصال الفقيد الشهم ونقائه «ليس لي ما أقوله في هذا الفقيد الشهم الذي عملت معه مدة قصيرة إلا ان أقول: اللهم جدد عليه الرحمات ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب البيض من الدنس وأسكنه فسيح جناتك مع الأنبياء والصديقين وحسن أولائك رفيقا». مؤكدين أنه ظل معلماً استثنائياً خارج حدود المألوف، ورمزاً خالداً للتربية والتضحية والفضيلة التي ستظل محفورة للأبد في الذاكرة الجماعية لأبناء زايو وتاوريرت ومستكمار.
لقد رحل الجسد وبقي الأثر، وظلت تلك الوقفة الوقورة وهندامه المهيب وتفانيه الصامت حفرةً عميقة في وجدان كل من تتلمذ على يديه أو استنشق عبير إخلاصه، ليظل اسمه عنواناً خالداً للوفاء، ورمزاً أبدياً للتربية العميقة التي لا تموت بمرور الزمن. تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وجعل كل حرف أخطه وكل عقل بناه في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.








