زايوسيتي
في تحوّل تاريخي ينهي صفحة كاملة من تاريخ الإعلام التناظري العابر للحدود، توقفت إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية (Medi 1) نهائياً عن البث عبر نطاق الموجة الطويلة (LW) على التردد الشهير 171 kHz، وذلك عقب البدء في تفكيك وإزالة محطة الإرسال الاستراتيجية الواقعة بمدينة سلوان بإقليم الناظور بشمال المغرب.
هذا القرار، الذي صدم عشاق الراديو وهواة الرصد الدولي حول العالم، يمثل النقطة الأخيرة في مسار تقني وإعلامي أمتد لأكثر من أربعة عقود، لعبت خلاله المحطة دوراً محورياً في ربط شعوب المغرب الكبير بالحركة الإخبارية والثقافية الدولية.
صرح هندسي وفريد: عملاق البث في أزغنغان وسلوان
تُعد محطة الإرسال الخاصة بإذاعة “ميدي 1” بالناظور صرحاً تقنياً وهندسياً استثنائياً في القارة الأفريقية والحوض المتوسطي:
الأبراج والسواري: تتكون المحطة من أربعة أبراج معدنية ضخمة يبلغ ارتفاع كل منها حوالي 380 متراً، وهو ما جعلها مصنفة لسنوات طويلة ضمن أطول البنى التحتية والمنشآت العمرانية في المغرب وأفريقيا.
طاقة الإرسال الهائلة: كانت أجهزة الإرسال تعمل بقدرة بث فائقة بلغت 1600 كيلوواط (1.6 ميغاوات). هذه القدرة العالية أتاحت للموجات الترددية تجاوز التضاريس والحدود الجغرافية والبحار، ليصل صوت المحطة بوضوح إلى كافة أرجاء المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا، وجنوب أوروبا (إسبانيا، فرنسا، إيطاليا).
أبعاد تاريخية وسياسية: تأسيس المحطة وسياقها الإقليمي
تأسست إذاعة “ميدي 1” ومحطة إرسالها بالموجة الطويلة عام 1980 بمبادرة ومشاركة بين رأس المال المغربي والفرنسي، بهدف إنشاء منصة إعلامية دولية متوازنة باللغتين العربية والفرنسية موجهة لمنطقة شمال أفريقيا والحوض الغربي للمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
وعلى مدار عقود، مثل هذا البث عبر الموجة الطويلة أداة إشعاع ثقافي وسياسي وإخباري بارزة، كما خاضت المحطة منافسة تقنية وإعلامية مباشرة مع إذاعات إقليمية أخرى على نفس النطاق الترددي، وفي مقدمتها القناة الثالثة للإذاعة الجزائرية (التي تبث عبر محطات في أولاد جلال وتيميمون على تردد 252 kHz).
أسباب إغلاق المحطة: تكاليف باهظة وتحول رقمي
تعددت الأسباب التقنية والاقتصادية التي أدت إلى اتخاذ قرار إيقاف البث وإزالة المحطة، وأبرزها:
الارتفاع القياسي للتقادم والتكاليف: وصلت أجهزة الإرسال الضخمة إلى نهاية عمرها التشغيلي والاقتصادي، كما أن تشغيل محطة بقدرة 1600 كيلوواط يتطلب استهلاكاً هائلاً للطاقة الكهربائية ومصاريف صيانة دورية باهظة لم تعد مجدية اقتصادياً.
التحول نحو البث الرقمي والبدائل الحديثة: تغيّرت أنماط الاستماع لدى الجمهور بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، حيث تحول معظم المستمعين إلى وسائل البث الحديثة كالموجات القصيرة المعدلة (FM)، والبث عبر الأقمار الصناعية، وصولاً إلى تطبيقات الهواتف الذكية والمنصات الرقمية (Live Streaming & Podcasts).
الاتجاه العالمي لإنهاء الموجات الطويلة: يأتي قرار “ميدي 1” انسجاماً مع موجة عالمية للتخلي عن نطاق (LW)، حيث أغلقت كبرى المحطات العالمية أجهزة إرسالها على هذه الموجة مؤخراً، مثل France Inter الفرنسية، وBBC Radio 4 البريطانية، وRTÉ الإيرلندية.
ردود الفعل: أسف واسع بين هواة الراديو ومجتمعات الاستماع البعيد
عقب انتشار أنباء تفكيك المحطة وتوقف البث، سادت حالة من الحزن والأسف بين هواة الراديو ومجتمعات الرصد الدولي (DXers)،
بالإضافة إلى كبار المستمعين الذين ارتبطت ذاكرتهم بصوت “ميدي 1” عبر الموجة الطويلة.
وعبر منتدات تقنية دولية وقنوات رصد متعددة على منصات التواصل الاجتماعي ويوتيوب، أبدى المهتمون أسفهم لاختفاء أحد آخر العمالقة في مجال الموجات الطويلة في أفريقيا، مؤكدين أن إغلاق محطة الناظور يعجل بانقراض تقنية البث التناظري بعيد المدى، ولا يترك في القارة الأفريقية برمتها سوى محطات نادرة جداً تعمل على هذا نطاق.
كيف يستمر المستمعون في متابعة “ميدي 1″؟
أكدت الإذاعة أن خدماتها الإخبارية والبرامجية مستمرة بدون انقطاع عبر منصاتها التكنولوجية الحديثة البديلة، والتي تشمل:
شبكة البث المحلي (FM): تغطية شاملة عبر مئات محطات الإرسال عبر ربوع المغرب والدول المجاورة.
البث الفضائي: عبر الأقمار الصناعية (Nilesat / Hotbird).
المنصات الرقمية: البث المباشر عبر التطبيق الرسمي (Medi 1 Radio) والموقع الإلكتروني، بالإضافة إلى منصات Podcasts المختلفة.
بإزالة محطة الناظور، تطوي إذاعة “ميدي 1” صفحة ملحمية في تاريخ البث الإذاعي التقليدي عابر الحدود، لتنتقل بشكل كامل إلى عصر الإعلام الرقمي الشامل.








