سعيد قدوري
لم يعد السؤال المطروح في مدينة زايو هو متى ستتحرك الأحزاب السياسية للدفاع عن مصالح الساكنة، بل لماذا تصمت هذه الأحزاب كلما تعلق الأمر بقضايا التنمية والتهميش، بينما تستعيد حيويتها ونشاطها كلما اقترب موعد الانتخابات؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح في ظل ما تعيشه المدينة من اختلالات وانتظارات متراكمة، وفي ظل غياب صوت حزبي قوي يجعل من قضايا المواطنين أولوية دائمة، لا مجرد ورقة انتخابية تستعمل عند الحاجة.
في نظر كثير من المتتبعين للشأن المحلي، تحولت الممارسة الحزبية بزايو إلى نشاط موسمي، لا يكاد يظهر إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حين تنشط اللقاءات وتتحرك الاتصالات وتكثر الوعود، قبل أن يعود المشهد إلى حالة من الركود بمجرد انتهاء الانتخابات وتوزيع المقاعد.
وهنا يحق للساكنة أن تتساءل: أين تختفي هذه الأحزاب عندما تحتاج المدينة إلى مواقف واضحة؟ وأين هي بياناتها الاحتجاجية ومبادراتها الميدانية حين يتعلق الأمر بمطالب التنمية وتحسين الخدمات والدفاع عن حق زايو في الاستفادة من المشاريع والبرامج التي من شأنها أن تضع حدا لمعاناة الساكنة؟
أحزاب تفتح أبوابها موسميا.. والانتخابات موعد الاستيقاظ
أصبحت التنظيمات الحزبية المحلية، وفق الانتقادات المتداولة في الأوساط المهتمة بالشأن العام، أشبه بدكاكين انتخابية لا تفتح أبوابها إلا مع اقتراب موعد التصويت. فلا حضور منتظم في النقاش العمومي، ولا تواصل مستمر مع المواطنين، ولا مبادرات ملموسة ترقى إلى مستوى الانتظارات التي تتطلع إليها المدينة.
والأكثر إثارة للقلق هو الانطباع الذي يتكون لدى الساكنة بأن بعض الأحزاب تحولت إلى ما يشبه المقاولات العائلية، حيث تضيق دائرة القرار وتحصر المسؤوليات داخل شبكات محدودة، بدل أن تكون التنظيمات السياسية فضاءات مفتوحة للكفاءات والشباب والطاقات المحلية، ومجالات للتنافس حول البرامج والأفكار والحلول.
فالحزب السياسي ليس ملكية خاصة، ولا إرثا عائليا، ولا وسيلة لضمان استمرار أسماء بعينها في مواقع المسؤولية. إنه إطار للعمل العمومي، يفترض أن يقوم على الديمقراطية الداخلية، وتجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية.
أما حين يتحول الانتماء الحزبي إلى مجرد وسيلة للوصول إلى الكراسي والمحافظة عليها، فإن السؤال يصبح مشروعا حول الوظيفة الحقيقية لهذه التنظيمات، ومدى وفائها للأدوار التي يفترض أن تضطلع بها داخل المجتمع.
الكرسي أولا.. ومصالح المدينة تنتظر
من بين أكثر المظاهر التي تثير الجدل في المشهد السياسي المحلي بزايو، تلك التحالفات التي يصعب على المواطن فهم منطلقاتها، خصوصا عندما تتقاطع مصالح انتخابية بين أطراف كانت إلى وقت قريب تتبادل الانتقادات بشأن طريقة تدبير المدينة ومسؤولية بعض الفاعلين عن تعثر ملفاتها.
فكيف يمكن لحزب ظل ينتقد اختيارات معينة، ويقدم نفسه باعتباره صوتا معارضا لها، أن يجد نفسه لاحقا في موقع التقارب مع الأطراف نفسها، دون أن يوضح للساكنة ما الذي تغير في مواقفه؟ وهل يتعلق الأمر بمراجعة سياسية مبنية على معطيات جديدة، أم أن حسابات المقاعد والمواقع أصبحت أقوى من الالتزامات التي قدمت للمواطنين؟
إن التحالفات السياسية ليست عيبا في حد ذاتها، بل هي جزء من الممارسة الديمقراطية، لكن مشروعيتها السياسية والأخلاقية تظل مرتبطة بوضوح أهدافها، وانسجامها مع البرامج المعلنة، وقدرتها على خدمة المصلحة العامة.
أما أن تتحول التحالفات إلى مجرد جسور للوصول إلى مواقع المسؤولية، من دون تفسير مقنع للساكنة، فإن ذلك يغذي الشكوك ويعمق أزمة الثقة بين المواطنين والفاعلين السياسيين.
والأشد إيلاما أن يشعر المواطن بأن من كانوا يرفعون صوت الانتقاد بالأمس أصبحوا يتقربون اليوم من الأطراف التي كانوا يحملونها مسؤولية اختلالات المدينة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول ثبات المواقف ومصداقية الخطاب السياسي.
زايو تعاني.. فأين الأحزاب؟
في الوقت الذي تنتظر فيه زايو مبادرات جادة للدفاع عن مصالحها، يظل السؤال قائما حول مدى حضور الأحزاب السياسية في معركة التنمية المحلية، ومدى قدرتها على تحويل انشغالات المواطنين إلى ملفات ترافعية واضحة أمام المؤسسات المعنية.
فالمدينة لا تحتاج إلى خطابات انتخابية جديدة بقدر ما تحتاج إلى عمل سياسي يومي، يتتبع المشاريع المتعثرة، ويطرح الأسئلة بشأن أسباب التأخر، ويدافع عن تحسين الخدمات الأساسية، ويطالب بتوزيع عادل للاستثمارات والتجهيزات، ويواكب قضايا الشباب والبطالة والفضاءات العمومية والبنية التحتية.
كما تحتاج إلى أحزاب تمتلك الشجاعة لمساءلة المسؤولين، أيا كانت مواقعهم أو طبيعة العلاقات السياسية التي تربطها بهم، بعيدا عن منطق المجاملة وتبادل المصالح.
وإذا كانت بعض القيادات المحلية تعتبر أن الحفاظ على المواقع السياسية يمر عبر بناء التحالفات وتدبير الحسابات الانتخابية، فإن مصلحة المدينة تفرض عليها أن تجيب أولا عن سؤال بسيط: ماذا قدمت لزايو خارج المواسم الانتخابية؟ وما الملفات التي تحركت بشأنها؟ وما النتائج التي استطاعت تحقيقها لفائدة الساكنة؟
إن قيمة الحزب لا تقاس بعدد المقاعد التي يحصل عليها، ولا بعدد الوجوه التي ينجح في إيصالها إلى مواقع المسؤولية، وإنما بقدرته على تقديم حلول واقعية، وممارسة الرقابة، والدفاع عن المواطنين، والوفاء بالالتزامات التي قطعها على نفسه.
الساكنة مطالبة بالخروج من دائرة الانتظار
إن استمرار هذا الوضع يفرض على ساكنة زايو إعادة النظر في علاقتها بالممارسة السياسية، وعدم الاكتفاء بدور المتفرج الذي لا يستدعى إلا عندما تحتاج الأحزاب إلى الأصوات.
فالانتخابات ليست شيكا على بياض، والتصويت ليس تفويضا مفتوحا يسمح للمنتخبين والفاعلين السياسيين بالاختفاء إلى حين حلول موعد انتخابي جديد. بل هو مسؤولية تقتضي المتابعة والمساءلة، ومحاسبة كل من أخلف وعوده أو جعل المصلحة الشخصية مقدمة على المصلحة العامة.
ومن حق المواطنين أن يطالبوا الأحزاب بتقديم حصيلة واضحة لأنشطتها، والكشف عن مواقفها من القضايا المحلية، وتفسير تحالفاتها، وتوضيح برامجها ومقترحاتها لمعالجة مظاهر التهميش التي تتحدث عنها الساكنة منذ سنوات.
كما أن من واجب المجتمع المدني والفعاليات المحلية والشباب أن يرفعوا من مستوى النقاش العمومي، وأن يطالبوا بممارسة سياسية تقوم على البرامج والنتائج، لا على الولاءات والحسابات الضيقة.
إن الانتفاضة المطلوبة هنا ليست دعوة إلى الفوضى أو التصعيد غير المسؤول، بل هي انتفاضة مدنية سلمية وواعية، قوامها رفع الصوت، وتنظيم المبادرات، ومساءلة المسؤولين، والترافع عن الحقوق المشروعة للمدينة.
فإلى متى ستظل زايو تنتظر، بينما تنشغل أحزابها بحسابات الكراسي؟ ومتى يصبح الدفاع عن المدينة التزاما يوميا لا موسما انتخابيا؟
لقد آن الأوان لكي تدرك الساكنة أن مستقبل مدينتها لا ينبغي أن يبقى رهينة حسابات حزبية ضيقة، وأن الصمت عن الاختلالات لا يساعد على تغيير الواقع. كما آن الأوان لكي تدرك الأحزاب أن ثقة المواطنين ليست ملكا دائما، وأن من يريد أصواتهم في صناديق الاقتراع مطالب أولا بإثبات حضوره بينهم، والدفاع عن مصالحهم، والوقوف إلى جانب مدينتهم في الأوقات الصعبة.
زايو ليست سوقا انتخابية، ولا مقاعد لتوزيعها بين الطامحين إلى المسؤولية، بل مدينة لها حق في التنمية والإنصاف، وساكنة تستحق أحزابا تدافع عنها طوال السنة، لا أحزابا تتذكرها فقط عندما تقترب الانتخابات.







