مصطفى الوردي
لم يعد خافياً على أحد ما تعيشه مدينة زايو ونواحيها من حالة من “الجمود التنموي” التي طال أمدها. حالةٌ جعلت الساكنة تشعر وكأن مدينتها خارج حسابات الزمن والتنمية المحلية، وسط مشهد يتكرر فيه وضع “اليد فوق اليد” والتفرج على المشاكل وهي تتراكم يومياً، بدءاً من أزقة المركز وصولاً إلى الأحياء المترامية الأطراف التي تعاني التهميش والنسيان.
إن الساكنة اليوم لا تطالب بالمعجزات، ولا تنتظر مشاريع خيالية غير قابلة للتحقيق، بل تطالب بمدينة دافئة، حية، تدب فيها الحركة الاقتصادية والاجتماعية، وتتوفر فيها أدنى مقومات العيش الكريم.
ومواجهة هذا الواقع تتطلب قفزة نوعية في التعاطي مع الشأن المحلي من طرف المجلس الجماعي والسلطات المحلية، عبر تبني ورش تنموي قائم على التقائية السياسات والحلول المباشرة:
1. الإنارة العمومية: حق للجميع وتأهيل مداخل المدينة الخمسة
من غير المقبول في عصرنا هذا أن تظل بعض أحياء المدينة ترقع بالظلام، أو أن تخضع الإنارة العمومية لمنطق التمييز “بين زيد وعمرو”. إن الشارع الرئيسي والأزقة المنسية في أطراف زايو يجب أن تنال نفس القدر من الاهتمام.
وإلى جانب ذلك، باتت تقوية الإنارة العمومية بمداخل المدينة الخمسة ضرورة ملحة، مرفوقة بلوحات تعريفية وجذابة تبين لمستعملي الطرق معالم المدينة وما تزخر به من مؤهلات تاريخية واقتصادية وسياحية، كحامة مولاي علي، معمل السكر، برج الحمام، الثكنة العسكرية، مسجد وسقاية سيدي عثمان….، لتكون هذه المداخل واجهة مضيئة تعكس هوية المدينة وترحب بزوارها في حلة يليق بها. فالإنارة ليست مجرد جمالية، بل هي شرط أساسي للأمن والسلامة وتنشيط الحركة التجارية ليلاً.
2. التكامل مع جماعة “أولاد ستوت”: الوعاء الصناعي (500 هكتار)
التنمية المحلية لا تقف عند الحدود الإدارية للبلدية، إن التنسيق والعمل المشترك مع جماعة أولاد ستوت أصبح ضرورة استراتيجية ملحة، لا سيما بوجود منطقة صناعية محفظة تمتد على مساحة 500 هكتار لازالت بكرة وعذراء.
إن تجهيز هذه المنطقة يستدعي تضافر جهود الجميع:
* عمالة إقليم الناظور
* المركز الجهوي للاستثمار (CRI)
* الوزارات المعنية بالصناعة والتجارة
إن تحريك هذا الوعاء العقاري ضخم الإمكانيات سيعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة ككل، ويخلق آلاف مناصب الشغل لأبناء زايو والنواحي.
3. سهل صبرة: قطب فلاحي استثنائي ينتظر التثمين والتسويق المؤسساتي
يمتلك الإقليم مؤهلات فلاحية استثنائية يتقدمها “سهل صبرة” التاريخي، الشهير بجودة منتجاته من الرمان والبرتقال. غير أن هذا الموروث الفلاحي يعاني من غياب استراتيجية حقيقية للتثمين، التسويق، وحماية الفلاحين من تقلبات السوق وغلاء تكاليف الإنتاج.
المطلوب اليوم هو إحداث معرض سنوي وجهوي للمنتجات المجالية، ودعم تنظيم الفلاحين في تعاونيات قوية، وتسهيل ولوجهم إلى الأسواق الكبرى وفتح قنوات التصدير، فضلاً عن دعم تقني ومائي يحمي هذه الفرشة الفلاحية الحيوية، لتكون “صبرة” رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية وخلق الشغل بالمنطقة.
4. إخراج منطقة الأنشطة الاقتصادية والصناعية الصغرى من الأدراج
يعاني الحرفيون أصحاب الورشات نجارة، حدادة، ميكانيك… والتجار من التخبط في العشوائية والتواجد داخل الأحياء السكنية. والغريب في الأمر أن الحل ليس غائباً على الأوراق، فقد تمت مسبقاً صياغة وتوقيع اتفاقية شراكة رسمية بين المجلس الجماعي لزايو وغرفة الصناعة التقليدية لجهة الشرق لإحداث منطقة أنشطة اقتصادية وصناعية صغرى وتخصيص وعاء عقاري لها.
فإلى متى يظل هذا المشروع حبراً على ورق؟ إن المطلب الراهن هو الإفراج السريع عن هذه الاتفاقية وتوفير ورشات مجهزة بأسعار كراء رمزية لتفريغ وسط المدينة من الضوضاء، وتجميع الأنشطة الحرفية، وخلق فرص شغل حقيقية للشباب.
5. حسم ملف “الرسم الخليفي” وفتح المنافذ الطرقية المدارية
* تصفية العقار: لا يمكن الحديث عن جذب الاستثمار دون حسم الملفات الشائكة وعلى رأسها “الرسم الخليفي” عبر لجنة إقليمية استثنائية لفك حظر البناء والاستثمار.
* الشبكة الطرقية: فتح طرق ومنافذ جديدة تربط الأحياء بالشارع الرئيسي، مع إحداث طرق مدارية (حزام طرقي) على أطراف المدينة لتحويل حركة المرور الثقيلة خارج المركز، مما يفك الاختناق ويحمي البنية التحتية ويفتح مناطق جديدة للتوسع العمراني.
6. الاستثمار في الرأسمال البشري وثقافة “حضن الشباب”
إن الإقلاع الحقيقي لا يمكن أن يكتمل بمعزل عن العناية بالرأسمال البشري، إذ بات لزاماً إحداث فضاءات رقمية ومراكز تكوينية موجهة للشباب لتأهيلهم نحو مهن المستقبل والاقتصاد الرقمي، عوض ترك طاقاتهم تضيع على رصيف الفراغ والانتظار.
7. إحياء الموروث الثقافي والرياضي والسياحة البيئية
كما أن رد الاعتبار للمدينة يمر حتماً عبر بوابتها الثقافية والرياضية، وذلك بتنظيم تظاهرات كبرى ومعارض سنوية للاقتصاد الاجتماعي التضامني والمنتجات المجالية، وإحياء البنية التحتية الرياضية لتكون حاضنة حقيقية للمواهب ومسرحاً لتنشيط الحركة المحلية.
8. الشراكات الممتدة، النظافة، والالتزام البيئي
الجلوس في المكاتب لن يبني مدينة. ينبغي عقد شراكات متينة مع مجلس جهة الشرق، عمالة الناظور، والمجلس الإقليمي، بالإضافة إلى إبرام توأمات جماعية مع بلديات أوروبية للاستفادة من الخبرات والدعم. وفي أفق بناء مدينة مستدامة، يتعين إدماج البعد البيئي والمائي، عبر اعتماد الطاقات المتجددة في الإنارة العمومية، وإعادة تدوير المياه العادمة لسقي المساحات الخضراء، بالتوازي مع الرفع من كفاءة النظافة وجمع النفايات وجاذبية الواجهة.
إن التاريخ لن يرحم المتهاونين، ومقعد المتفرجين لم يعد يمنح صك الأمان لأحد. إن زايو أمانة في رقاب الجميع مجلساً جماعياً، سلطات محلية، مجتمَعاً مدنياً، وكفاءات محلية ومهاجرة واللحظة التاريخية تفرض الانتقال العاجل من لغة التبريرات إلى منطق الإنجاز والمحاسبة. فزايو لا تحتاج إلى وعود براقة ولا إلى مشاريع استعراضية، بل إلى إرادة سياسية حقيقية وتدبير ميداني.
فلتتحرك الإرادات، وليصطف الجميع خلف راية مصلحة المدينة… فزايو وأبناؤها يستحقون الأفضل، والوقت لم يعد يخدم المترددين!








