بقلم: صلاح الدين بوشلاغم
رزقنا في هذا الإقليم الحبيب بنوع من الساسة يديرون الأزمات البيئية بمنطق «تجميل القبح» وتوزيع صكوك البراءة. فليس ببعيد خرج علينا البرلماني ورئيس مجموعة الجماعات السيد حليم فوطاط باكتشاف فريد من نوعه؛ مطرح أولاد ستوت ليس مطرحا للنفايات ومصدرا للشكاوى والروائح، بل هو «أيقونة وطنية» وواحد من «أحسن المطارح في المغرب». ولم يتوقف كرمه البلاغي عند هذا الحد، بل طمأن الرأي العام بأنه تجول في أرجائه بملابسه المدنية واعتلى صهاريج عصارة النفايات «الليكسيفيا» دون أن تزكم أنفه أي رائحة، وكأن الرجل عثر في عمق الأزبال على عطر باريسي نادر؛ فربما هي مناعة خاصة، أو أن الأمر يدخل ببساطة في خانة أن «الأذواق لا تناقش»!.
غير أن محاولة تحويل الكارثة إلى منجز بيئي سرعان ما نسفتها وقائع صادمة من داخل القاعة نفسها؛ أولها انسحاب المستشار بجماعة زايو وعضو المؤسسة عمرو اليبدري من الاجتماع، مسجلا تحفظات وملاحظات محرجة حول التقرير المقدم من طرف الشركة المكلفة بطمر النفايات، ومستحضرا واقعة منعه في وقت سابق من ولوج المطرح رغم صفته التمثيلية، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مرفق يفتح أبوابه للتنزه فوق الصهاريج لمن يشاء ويغلقها في وجه من يشاء! أما ثانيها، فتتمثل في صرخة رئيس جماعة أولاد ستوت، السيد سعيد التومي: «واش نخلصو 10 آلاف درهم وتبقاو ترميو لينا الزبل فدارنا؟». ولم يكتف الرئيس برفض الفاتورة، بل عرى في حديثه الموثق بالفيديو حجم النزيف الذي يكابده محيط المطرح؛ من انبعاث الروائح الكريهة التي تخنق الساكنة المجاورة وعمال التعاونية، إلى البوار الذي ضرب الأراضي والعقارات المحيطة حتى أفقدها قيمتها السوقية، فضلا عن هروب المستثمرين وعزوفهم عن المنطقة.
ورغم أن هذه الصرخة لا تعفيه من المسؤولية السياسية؛ فتدبير الشأن المحلي يضعه أمام امتحان الحصيلة ومسؤولية الترافع لانتزاع البدائل، أو على الأقل الوقوف الصارم على تنفيذ الوعود السابقة المعطلة من قبيل غرس الأحزمة الشجرية العازلة والمشاريع البيئية التنموية، إلا أنه يحسب للسيد التومي في هذه اللحظة بالذات أنه واجه لغة التبرير، رافضا اختزال كرامة جماعته في مساومة مالية بئيسة؛ فالمسألة في عمقها لا تتعلق بفاتورة هزيلة تدفع أو ترفض، بقدر ما ترتبط بسلامة بيئة وصحة مواطنين لا يمكن أن توزن بأي ثمن.
وإن عدنا إلى أصل الحكاية؛ فالأزمة لم تهبط بمرسوم مفاجئ، بل بدأت بما يصفه مسؤولو المنطقة بـ«الخطيئة التاريخية» لجماعة زايو، يوم شرعت في إلقاء نفاياتها في أطراف تراب الجماعة، متنقلة بين دوار العباد والفرحية إلى أن استقر بها المقام في البؤرة الحالية، لتسير باقي جماعات الإقليم على النهج ذاته، ويتحول الموقع بالتدريج إلى مطرح إقليمي فرض كأمر واقع.
ويبدو أن احتضان مزبلة الإقليم لا تعتبر تضحية كافية؛ ففي الوقت الذي تبرمج فيه الجماعات المستفيدة اعتمادات مالية في ميزانياتها السنوية لتعبئة مساهماتها في تدبير القطاع، وجهت فواتير المطالبة لجماعتي أولاد ستوت وزايو اللتين لم تجنيا من هذا المرفق سوى العبء البيئي والعقاري الأكبر.
وإن ما شنف به مسامعنا السيد حليم فوطاط من الإطراء التقني لهذا المطرح، دفعني من باب الفضول، ورغم أني لست متخصصا، إلى البحث عما تقوله النصوص التنظيمية والدفاتر التقنية في هذا الباب؛ فإذا بمقتضيات القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، ومواصفات المطارح المراقبة المحددة بموجب المرسوم التطبيقي رقم 2.09.284، تضع شروطا صارمة لا ترحم، وتصنف عصارة الأزبال «الليكسيفيا» كأخطر ما تفرزه المطارح من سموم عضوية ومعادن ثقيلة.
فالحديث عن «مطرح نموذجي» في لغة الهندسة والقانون لا يقاس بحاسة الشم ولا بقابلية التجول فوق صهاريجه، بل يلزم بعزل جيوتقني محكم للتربة بأغشية خاصة، وبربط الأحواض بمحطات تصفية ومعالجة دقيقة تمنع تسرب هذه السوائل وتهديدها للفرشة المائية والمحيط البيئي؛ وبإسقاط هذه الضوابط الصارمة على واقع الحال بأولاد ستوت، ندرك أن ما ترفعه الساكنة والفعاليات المدنية من تحذيرات، وما سبق أن وثقه الربورتاج الميداني لزايوسيتي.نت المصور بالمنطقة من قبل، وتقاطعه اليوم مع تأكيدات رئيس الجماعة نفسه بشأن تسرب العصارة السامة وزحف الأكياس البلاستيكية على مساحات شاسعة، ليس ترفا أو مبالغة؛ إذ كيف يطمئن المواطن لسلامة معالجة سموم
«الليكسيفيا» المعقدة، في مرفق لا تزال شاحناته عاجزة حتى عن تغطية الأزبال بشباك واقية تمنع تطايرها في الطرقات؟!
إن محاولات الهروب إلى الأمام بمقارنات كسيحة من قبيل «تطوان أسوأ منا» لتبرير الأمر الواقع لم تعد تنطلي على أحد. وإن كان السيد التومي قد أسقط ورقة التوت عن الفواتير وحجم الحيف الواقع على جماعة أولاد ستوت، وقس على ذلك جماعة زايو، فإن الكرة لا تزال في ملعب هو أحد لاعبيه الأساسيين في خط الوسط إلى جانب ممثلي ومسؤولي الإقليم؛ فالواجب يفرض على الجميع مغادرة مربع التبرير والمظلومية نحو التحرك العملي لانتزاع تمويلات حقيقية تخرج مشاريع مراكز الطمر والتثمين من الأدراج، وتضمن تنزيل مشاريع جبر الضرر البيئي المعطلة منذ عقدين. والنداء هنا موصول أيضا للعديد من جمعيات زايو وأولاد ستوت التي يزخرف لفظ «البيئة» أسماءها وأختامها، عل هذا الملف يحظى منها بالاهتمام الواجب الذي يبرر وجودها في الميدان لا في السجلات فقط. أما خرجة السيد فوطاط ومحاولة إقناع المواطنين بأن الكارثة البيئية هي «جنة بلا روائح» فوق صهريج «الليكسيفيا»، فمكانها خشبة المسرح الهزلي، لا قاعات التدبير والمسؤولية الترابية.


