زايوسيتي
عاد مطرح النفايات الواقع بتراب جماعة أولاد ستوت، والذي تتولى تدبيره مؤسسة التعاون بين الجماعات «الناظور الكبرى»، إلى واجهة النقاش المحلي، في ظل جدل متصاعد بشأن مدى احترامه للمعايير البيئية، وحقيقة الروائح المنبعثة منه، وانعكاساته المحتملة على المجال المحيط به.
وتأتي هذه التطورات عقب تصريحات أدلى بها رئيس المؤسسة، حليم فوطاط، اعتبر فيها أن مطرح أولاد ستوت يعد من بين أحسن المطارح بالمغرب، نافيا أن تكون تصدر عنه روائح كريهة أو أن يشكل ضررا على البيئة. وهي تصريحات أثارت ردود فعل معارضة، في مقدمتها موقف سعيد التومي، رئيس جماعة أولاد ستوت، الذي رد بمعطيات وأرقام ووقائع واحتجاجات، يرى أنها تناقض الصورة التي قدمها المسؤول عن المؤسسة المشرفة على تدبير المطرح.
لكن ما يزيد الجدل حدة ليس فقط اختلاف الروايات بشأن الوضع البيئي للمطرح، وإنما الطريقة التي يجري بها التعامل مع هذا الملف الحساس، الذي يرتبط بصحة المواطنين وسلامة البيئة ومستقبل الأنشطة الاقتصادية بالمنطقة.
فبدلا من اللجوء إلى تحاليل مخبرية دقيقة، والاستعانة بخبراء مختصين ولجان تقنية مستقلة لتقييم الوضع، برز أسلوب آخر قوامه تقديم تصريحات إعلامية تفيد بأن الوقوف بالقرب من المطرح لا يكشف عن وجود روائح كريهة. وهو أسلوب يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن مدى جدية التعامل مع مخاوف السكان والانتقادات الموجهة إلى طريقة تدبير هذا المرفق.
فهل أصبح تقييم الأثر البيئي للمطارح يتم بمجرد الوقوف أمامها، أم أن الأمر يحتاج إلى قياسات علمية ومعطيات قابلة للتحقق؟
إن عدم الإحساس برائحة كريهة في مكان معين، وفي لحظة محددة، لا يمكن اعتباره دليلا علميا على غياب الروائح أو انتفاء التأثيرات البيئية. فهذه الروائح قد تختلف حدتها بحسب اتجاه الرياح والظروف الجوية وطبيعة عمليات التدبير، وهو ما يجعل الاعتماد على انطباع عابر غير كاف للحسم في مسألة تتطلب خبرة متخصصة.
كما أن المواطنين الذين يعبرون الطريق الرئيسي المحاذي للمطرح يتحدثون عن روائح كريهة ومزعجة، تصل في بعض الأحيان إلى درجة تدفعهم إلى إغلاق نوافذ سياراتهم تفاديا لها. وهذه الشهادات، بصرف النظر عن ضرورة التحقق العلمي منها، تستحق أن تؤخذ بجدية، لا أن يجري التعامل معها وكأنها مجرد انطباعات لا تستحق الاهتمام.
والأكثر إثارة للقلق أن محيط المطرح يضم قناة للري، الأمر الذي يفرض التحقق من احتمال تسرب الملوثات إلى المياه أو التربة، فضلاً عن ضرورة تقييم المخاطر المحتملة على الفرشة المائية. وهي مسائل لا يمكن نفيها أو إثباتها عبر تصريحات إعلامية، بل تستدعي أخذ عينات وإخضاعها لتحاليل مخبرية معتمدة، تشمل المياه والتربة، مع نشر النتائج أمام الرأي العام.
إن حماية البيئة لا تقاس بجمال التصريحات، وإنما بمدى مطابقتها للواقع ونتائج الاختبارات العلمية.
ومن جهة أخرى، يطرح وجود مطرح للنفايات بالمنطقة تساؤلات مشروعة حول انعكاساته المحتملة على الاستثمار المحلي، خصوصا في المجالات الفلاحية والأنشطة المرتبطة بالأرض والمياه. فمن حق الفاعلين الاقتصاديين والسكان معرفة حقيقة الوضع البيئي، والإجراءات المتخذة للحد من أي أضرار محتملة، حتى لا تتحول المخاوف إلى عائق أمام التنمية أو مصدر دائم للقلق.
وكان الأجدر بمؤسسة التعاون بين الجماعات «الناظور الكبرى»، والشركة المكلفة بتدبير المطرح، أن تتعاملا مع الانتقادات باعتبارها مناسبة لتقديم الأدلة والنتائج الموثقة، بدل الاكتفاء بمحاولات إقناع الرأي العام بأن الوضع لا يطرح أي إشكال. فحين يتعلق الأمر بمرفق يستقبل النفايات، فإن الشفافية تقتضي تقديم المعطيات المتعلقة بالمراقبة البيئية، وكيفية معالجة النفايات، وتدبير العصارة، ومراقبة المياه الجوفية، ومدى احترام الشروط التقنية المعمول بها.
أما استقدام وجه إعلامي للوقوف أمام المطرح ونقل انطباع بعدم وجود رائحة كريهة، فلا يمكن أن يعوض افتحاصا بيئيا مستقلا، ولا أن يشكل حجة كافية لإسكات الأصوات المنتقدة. فالإعلام، مهما كان دوره في نقل الوقائع، لا يحل محل المختبرات والخبراء والجهات المختصة، كما أن الصورة التي تلتقط في لحظة معينة لا تكشف بالضرورة عن جميع جوانب الوضع البيئي.
إن ما يجري اليوم يضع مؤسسة «الناظور الكبرى» والشركة المشرفة على تدبير المطرح أمام مسؤولية واضحة: تقديم الأدلة العلمية التي تسند تصريحاتهما، والإجابة عن التساؤلات التي أثارها رئيس جماعة أولاد ستوت، والكشف عن نتائج المراقبة البيئية التي خضع لها الموقع، إن كانت متوفرة.
وفي المقابل، فإن تصريحات سعيد التومي وما يطرحه من معطيات ووقائع تستدعي بدورها التحقق الموضوعي، بما يضمن عدم تحويل القضية إلى مجرد تبادل للاتهامات بين المسؤولين، على حساب حق المواطنين في معرفة الحقيقة.
المطلوب اليوم ليس معركة تصريحات، ولا سباقا لتجميل صورة المطرح، بل خبرة بيئية مستقلة وشفافة، تنشر نتائجها للرأي العام وتحدد بشكل واضح ما إذا كان المطرح يحترم المعايير المطلوبة، وما إذا كانت هناك مخاطر تستوجب التدخل.
فإذا كانت المؤسسة واثقة من سلامة المطرح وعدم تأثيره على البيئة، فإن الطريق الأقصر لإثبات ذلك هو تقديم نتائج التحاليل والفحوصات الميدانية، وليس الاكتفاء بتصريحات تنفي وجود المشكلة. أما إذا كشفت النتائج عن اختلالات، فإن المسؤولية تقتضي اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها، حماية للسكان والموارد المائية والأنشطة الاقتصادية بالمنطقة.
وفي انتظار ذلك، سيظل مطرح أولاد ستوت ملفا مفتوحا على أسئلة لا يمكن حسمها بالانطباعات الشخصية، بل بالعلم والشفافية والمحاسبة، لأن البيئة ليست مجالا للدعاية، وصحة المواطنين ليست موضوعا للمزايدات.


