زايوسيتي
في قريةٍ نائيةٍ تحتضنها الجبال، كان “الشيخ منصور” يصارع قسوة الأيام بظهرٍ انحنى من ثقل السنين، ويدينِ تشققت خريطةُ الشقاءِ عليهما. لم يكن يملك من حُطام الدنيا سوى كوخٍ طينيٍّ وصبيٍّ صغيرٍ اسمه “يحي”.
ماتت زوجته وتركتهما لطوارق الزمن، فأقسم منصور ألا يتربى ولدُه في جُب الفقر والجهل. كان يخرج قبل أن تتنفس الشمس، يجمع الحطب، ويحرث أراضي الأثرياء، وربما بات جائعاً ليشتري ليحي كتاباً أو ثوباً ناصعاً يليقُ بالمدرسة. كان يقول لولده كلما أجهده التعب:
«يا بني، لا يحزنُك أننا نأكلُ الخبزَ الجاف، فالشجرُ الذي تُسقاهُ جذورُه بالدموعِ، تُثمرُ أغصانُه بالكرامة. كُن شيئاً في الغدِ، لتكون لي عينينِ أرى بهما العالم قبل أن أرحل.»
مرّت الأعوام، واشتدّ عودُ يحي. كان ذكياً كشعاعِ أملٍ في ليلةٍ ظلماء. تدرّج في معارج العلم حتى أتمّ دراسة الطب بالامتياز، وصار طبيباً جراحاً يشار إليه بالبنان في إحدى أكبر مستشفيات العاصمة.
في المدينة الكبيرة، تغيرت قواعد اللعبة. التقى يحي بامرأةٍ من بيئةٍ مثرية، لا تبصرُ من الإنسان إلا قشوره وأنسابه. تزوجها، ورويداً رويداً بدأت بذورُ الكبرِ تتسللُ إلى قلبه، مستحيةً من ماضيه الفقير ومتحرجةً من “الشيخ منصور” وثيابه الرثة ولغته القروية البسيطة.
قلّت زيارات يحي للقرية، ثم انقطعت. وباتت اتصالاته شحيحة كقطرات المطر في الصيف، حتى غدا والده بالنسبة له مجرد “ماضٍ يخشى أن ينبشه أحد”.
أمّا الشيخ منصور، فكان يجلس كل مساء عند عتبة كوخه، ينظر إلى الطريق الغبارية المتجهة نحو المدينة، يغسل جراحه بصبر ، وينتظر أثراً لخطوات ولده.. لكن الشوق كان يرتد إليه خائباً.
مرت بضع سنوات، وضاق صدر الشيخ منصور، فلم يُطق صبراً على فراق حشاشة جوفه. تحامل على ضعفه، واستقل حافلة قديمة نحو العاصمة. وصل إلى المستشفى الفخم حيث يعمل ابنه، وكان المكان ينبض بالحركة والزوار.
سأل عن “الدكتور يحي”، فأشاروا له إلى قاعة الاجتماعات الكبرى. دخل الشيخ بعباءته البسيطة وعصاه الخشبية. كان يحي يقف وسط زملائه وزوجته وأقربائها الأثرياء، يُشرح مشروعاً طبياً كبيراً وسط تصفيق الجميع.
حين وقعت عينُ يحي على أبيه، يتصبب عرقاً وتظهر على محياه علامات التعب، تغيرت ملامحه.. غلبته الهيبة الممتزجة بالخجل المزيف أمام معارفه. اقترب منه بخطوات متثاقلة، واقتاده إلى زاويةٍ جانبية وقال بلغةٍ جافةٍ تخالطها الهمس:
— «ما الذي جاء بك يا أبي إلى هنا؟ لقد أحرجتني أمام زملائي وعائلة زوجتي.. كان عليك أن تتصل بي قبل أن تأتي بهذه الهيئة!»
نزل الكلمُ على قلب الشيخ كصخرةٍ هدمت ما تبقى من صحته. سكنت عيناه، ولم يصرخ، ولم يبكِ، بل تنفس بعمقٍ أخذ فيه مرارة العمر كله، ونظر في عيني ابنه بنظرةٍ تجمع بين الحنان والعتاب العظيم، ثم قال بصوتٍ هادئٍ وثابت يفيض حكمة:
«يا بني.. لقد أمضيتُ زهرة شبابي أقطعُ الشوكَ من طريقك، كي لا تتألم أقدامُك وأنت تصعدُ الجبل. وكنتُ أظن أنك حين تصل إلى القمة، ستمدّ يدك لترفعني معك، لا لتلقي بي في الهاوية لأن رائحة التعب في ثيابي تؤذي أنفك!»
ثم وضع يده الدافئة المتجعدة على كتف يحي الأملس وقال:
«لا تخجل بي يا دكتور.. فالطبُّ الذي تعلمته يُداوي أجساد الناس، لكنه يبدو أنه لم يجد دواءً لعمى القلوب. إن الشهادات يا بني تجعلك عالماً، لكنّ الوفاء هو ما يجعلك إنساناً. سأرحل الآن.. ولا تخف، لن أُحرجك ثانية.»
استدار الشيخ منصور واستند إلى عصاه، ومشى بخطواتٍ بطيئةٍ يحمل في صدره جرحاً أعمق من الموت نفسه.
⚫ مرت أيامٌ شاحبةٌ ثقيلة، ولم يتحرك ضمير يحي إلا بعد فوات الأوان. ففي صباح يومٍ مشؤوم، استفاق على رجفةٍ في قلبه وكأن شيئاً عزيزاً قد انكسر. انتابه شعورٌ غريب بالذنب والحرقة، فترك عمله ومستشفاه، وأسرع هارباً نحو مسقط رأسه، نحو الكوخ المنسي في القرية.
وصل يحي إلى الباب وطرق بقوةٍ ولهفة، لكن لا جواب.. طرق مراراً وتكراراً حتى تردد صدى صوته في المكان الخالي. فتح جارُ أبيه الباب العتيق مجاوراً، ونظر إلى يحي بجمود، إذ لم يتعرف عليه لكثرة ما تغيرت ملامحه وثيابه.

قال الجار بصوتٍ يملؤه الأسى:
— «تبحث عن الشيخ منصور؟ لقد رحل يا بني.. قبل أيام قليلة، ساءت حالته فور عودته من المدينة، وكان كلما تنفس يذكر اسم ولده بغصةٍ تحرق الحلق.. توفي ودفناه هنا، وفي قلبه حسرةٌ لم تُطفئها سوى الدموع.»
⚫ وقعت الكلمات على رأس يحي كالصاعقة. ركض كالمجنون نحو المقبرة، والدموع تسيل على خديه بلا توقف. سقط على ركبتيه أمام القبر الترابي الجديد، يصرخ بندمٍ أعمى لا ينفع.. لكن الأوان قد فات، ومضى الأب إلى ربه وفي صدره غصةٌ تركها الابن العاق.
مرت السنون، وطوت الأيام شباب يحي وجاهه. توفيت زوجته التي غرّته بالأمس، وتفرق أبناؤه في أصقاع الأرض، فتح كلٌّ منهم بيتاً في دولةٍ بعيدة، وبحث عن حياته الخاصة، ناسين الأب الذي غدا شيخاً عليلاً كفيف البصر.
👈 لم يعره أبناؤه أي اهتمام، ولم يلتفت لضعفه أحد، فانتهى به المطاف وحيداً في زاويةٍ مظلمة بدار المسنين.
كان يجلس كل يوم، يقلب كفّيه على ما فرّط، ويستعيد في ظلام بصره المفقود صورة أبيه وهو يحمل له وعود المستقبل، وصورته هو وهو يطرده بلسانه القاسي.
لقد دارت الدائرة، وأدرك يحي متأخراً جداً، وحين لم يبقَ لديه سوى الندم: أن رضا الوالدين هو رأس مال الإنسان في الدارين، وأن من عقّ أباه ورث الشقاء، فلا قيمة لأي نجاحٍ يرتفع على أشلاء قلوبٍ أفنت عمرها لأجلنا.


