زايو سيتي
حين عادت خديجة المرابط إلى بني شيكر بإقليم الناظور، لم تكن غايتها قضاء عطلة بين أهلها واستعادة ذكريات الطفولة، بل البحث عن أثر امرأة ظلت حاضرة في ذاكرة العائلة رغم رحيلها منذ سنوات طويلة. إنها جدتها «ماما علال»، التي لم تعرفها خديجة إلا من خلال الحكايات المتوارثة، فقررت العودة إلى جذورها لفهم قصة هذه المرأة التي تركت بصمتها في ذاكرة من عرفوها.
وُلدت خديجة في أمستردام بهولندا، ونشأت بين ثقافتين مختلفتين، بينما ظلت جذورها العائلية مرتبطة بالريف المغربي. وبعد وفاة والدها، عادت إلى المنطقة التي تنحدر منها أسرتها، حاملة معها أسئلة ظلت معلقة طوال سنوات الغياب، ورغبة في اكتشاف تاريخ عائلي لم تجد تفاصيله كاملة في الوثائق، بل في ذاكرة الناس ورواياتهم.
كان اسم «ماما علال» محور هذه الرحلة. فهي امرأة لم تشغل منصباً سياسياً، ولم تكن من الشخصيات التي خلدتها كتب التاريخ، لكنها احتفظت بمكانة خاصة في الذاكرة المحلية. وتقدمها الروايات العائلية باعتبارها امرأة قوية ومستقلة، عُرفت بجرأتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وفرض حضورها داخل مجتمع لم تكن النساء فيه يحظين دائماً بالمساحة نفسها التي يتمتع بها الرجال.
غير أن خديجة لم تتعامل مع هذه الحكايات باعتبارها حقائق مكتملة، بل حاولت التمييز بين ما يمكن استعادته من وقائع وما أضافته السنوات إلى الذاكرة الجماعية من مبالغات وتصورات. لم تكن تبحث عن صورة مثالية لجدتها، بقدر ما أرادت الاقتراب من المرأة الحقيقية التي اختبأت ملامحها خلف ما تناقلته الأجيال.
ورغم أن الحياة في أمستردام أتاحت لخديجة الانفتاح على الفلسفة والنقاشات الفكرية وقضايا المرأة والهوية، فإن الابتعاد عن الريف لم ينهِ علاقتها به. فالهجرة لا تعني بالضرورة الانفصال عن الجذور، كما أن الاندماج في مجتمع جديد لا يمحو الأسئلة المرتبطة بالمكان الأول، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالانتماء والحرية وحدود الاختلاف.
ومن خلال تجربتها، ترفض خديجة اختزال المرأة المغربية المهاجرة في صورتين جاهزتين؛ امرأة ضحية تحتاج إلى الإنقاذ، أو امرأة لا تستطيع تحقيق حريتها إلا بالتخلي عن جذورها. فهي تبحث عن إمكانية الجمع بين الأمرين: الحفاظ على الصلة بالهوية الأصلية، مع التمسك بالحق في الاختيار والاختلاف.
ومن هنا، اكتسب البحث عن «ماما علال» معنى يتجاوز استعادة قصة جدة غابت عن الحياة. فقد فتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول تاريخ النساء في الريف، ومدى حضور تجاربهن في الذاكرة الجماعية، وإمكانية أن تكون نساء الأجيال السابقة أكثر استقلالية وجرأة مما توحي به الصور النمطية المتداولة عنهن.
وقد وثّق المخرج طارق الإدريسي هذه الرحلة في الفيلم الوثائقي «رحلة خديجة»، الذي صدر سنة 2017، وحوّل العودة إلى بني شيكر إلى مسار لاستكشاف الذاكرة العائلية والعلاقة المعقدة بين الإنسان ومكان نشأته أو نشأت فيه جذوره. فمن خلال الكاميرا، تلتقي صورة الريف التي احتفظت بها خديجة في ذاكرتها مع واقع المكان بعد غياب دام نحو عشرين عاماً، بما يحمله من تغيرات وعلاقات اجتماعية وشهادات عن الماضي.
لم تكن العودة سهلة، ولم تمنح الرحلة أجوبة عن جميع الأسئلة. فقد وجدت خديجة في شهادات كبار السن بعض الخيوط التي تساعدها على الاقتراب من شخصية جدتها، بينما ظلت تفاصيل أخرى غامضة، بعدما رحل أشخاص كانوا يحملون أجزاء من الحكاية. وهكذا، لم تتحول الرحلة إلى عملية استرجاع كاملة للماضي، بل إلى محاولة لفهم ما تبقى منه، والإقرار بما ضاع مع مرور الزمن.
ويتجاوز الفيلم حدود الحكاية الشخصية، ليطرح سؤالاً عن الطريقة التي يُحفظ بها تاريخ العائلات، وعن التفاوت بين حضور الرجال والنساء في الذاكرة. فكثيراً ما ترتبط سِيَر الرجال بأعمالهم وأدوارهم ومواقعهم، بينما تختصر سِيَر النساء في أوصاف تتعلق بقوتهن أو طباعهن أو مواقف عابرة من حياتهن، حتى عندما يتركن أثراً واضحاً في محيطهن.
ومن خلال شخصية «ماما علال»، تعود هذه الإشكالية إلى الواجهة: كم امرأة عاشت في قرى الريف، وأسهمت في تشكيل حياة أسرها ومجتمعاتها، لكنها لم تترك وراءها سوى حكايات يتناقلها الأبناء والأحفاد، دون أن تجد طريقها إلى التوثيق المكتوب؟
وقد انتقلت هذه التجربة من نطاق الذاكرة العائلية إلى الشاشة، حيث عُرض الفيلم في تظاهرات سينمائية متعددة. كما نال جائزة أفضل مونتاج في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2017، وحصل على تقدير من لجنة التحكيم في مهرجان سينمائي بالناظور، وفق المعطيات الواردة حول مساره.
وبالنسبة إلى خديجة، لم تكن قيمة الرحلة مرتبطة بالجوائز وحدها، بل بما أتاحته من فرصة لإعادة طرح قصة امرأة أمازيغية من بني شيكر، عاشت بعيداً عن الأضواء، وربط مصيرها بأسئلة الهجرة والهوية والحرية ومكانة المرأة في المجتمع.
لم تعثر خديجة على وثيقة تحسم كل ما قيل عن جدتها، ولم تتحول «ماما علال» إلى اسم جديد في سجلات التاريخ، لكن رحلتها أعادت إحياء حكاية ظلت تتناقلها الألسن داخل العائلة والقرية. ومن خلال الفيلم، أصبح لهذه الحكاية جمهور أوسع، وأضحت مناسبة للتفكير في مصائر نساء كثيرات لم تحفظ الذاكرة منهن سوى الأسماء وبعض المواقف.
وهكذا، لم تكن رحلة خديجة المرابط من أمستردام إلى بني شيكر مجرد عودة إلى جذور العائلة، بل محاولة لاستعادة صوت امرأة غابت عن الحياة وبقي أثرها في الذاكرة. رحلة انتهت إلى سؤال مفتوح عن النساء اللواتي صنعن جزءاً من تاريخ الريف بصمت، ولم يبقَ منهن سوى الحكايات التي تنتظر من يصغي إليها ويوثقها قبل أن تطويها السنوات.


