👈 بقلم أحد أبناء المدينة الأوفياء
أعادت لي الصورة المرفقة والذاكرة إلى سنوات السبعينيات، وهي فترة زمنية لم يكن قد أنعم الله فيها بعد على مدينة زايو بالتعليم الإعدادي والثانوي. كان تلامذة زايو والنواحي، بعد اجتياز قسم الشهادة الابتدائية، يضطرون إلى شد الرحال نحو إعداديات بركان، أحفير، والناظور. وفي أواسط السبعينيات، جاء دور فوجنا ليتم إلحاقه بثانويتي “الكندي” و”الشريف أمزيان” (هذا الأخير الذي كان مخصصاً للفتيات)، بينما لُحقت الأفواج التي تلتنا بثانويتي “الفيض” و”المطار”.
أغلبنا كنا نزلاء بالقسم الداخلي، ومن لم يسعفه الحظ في الحصول على المنحة الدراسية للاستفادة من الإيواء والأكل والشرب مقابل أداء مبلغ 50 درهماً كضمانة تسترجع آخر السنة –حيث كنا ننتظر استرجاعها على أحر من الجمر– كان يضطر إلى اكتراء بيوت غالباً على هوامش المدينة، مثل أحياء “بوبلاو”، “براقة”، أو “حاسي طونيو”…
قصة “كار بوصو” وأهازيج الفجر
قصتنا مع “كار بوصو” كانت تبدأ مطلع كل صباح يوم إثنين مع أذان الفجر؛ حيث نتبادل تحية صباح الخير مع ناس “التراباندو” المتجهين إلى مليلة للتبضع، وأغلبهم كن نساء متقدمات في السن لا زلت أتذكر ملامح الكثير منهن، جلهن –إن لم أقل كلهن– رحلن إلى دار البقاء.
كان “الكار” المعلوم ينطلق من زايو أمام “البوشطة” القديمة مروراً بسلوان والناظور ليحط رحاله بمليلية. وكان ثمن التذكرة إلى الناظور درهمين، بينما تذكرة “كار السحيمي” الذي كان يأتي من تاوريرت عبر زايو ثم الناظور فمليلية فقدرت بـ 3 دراهم، في حين بلغ ثمن الطاكسي 4 دراهم أنذاك.
رحلة العودة.. صمت و”كريسول” وديوانة
ومن الناظور إلى زايو، كان لنا موعد متجدد كل ظهر يوم جمعة بالمحطة الطرقية القديمة. كانت رحلة العودة تدوم من 3 إلى 4 ساعات حسب عدد “براجات” الديوانة بالطريق.
خلال الرحلة، كنا نلزم الصمت طوال الطريق، فالمجال كان مخصصاً لـ “الكريسول” الذي كان بارعاً في جمع الأتاوات والتفاوض مع أصحاب “التراباندو”؛ إذ كان كل مسافر يمد دريهمات تتفاوت حسب حجم ونوعية سلعته، وكان “الكريسول” عارفاً بدقة بنقط السدود الأمنية (“البراجات”)، وحتى بأسماء رجال الديوانة وما إذا كان “لاجودان” حاضراً أم لا، فإن كان حاضراً تضاعفت الأتاوة لأن “الشاف” لا يقنع بالقليل!
هذا المخاض كله كان ينسينا عياء السفر وطول مدته، ونحن نغالب الشوق والحنين لدفء العائلة، وخبز الأم، في انتظار الرجوع يوم الإثنين حاملين معنا (L’argent de poche).
زايوسيتي








